البحث عن بطل وآلية التكرار

من: الفن الاستهلاكي والسلعة الفنية (ملف خاص)

 الفن كسلعة

هل يمكن التعامل مع الفن باعتباره سلعة، أي سلعة خاضعة لحركتي العرض والطلب، هل تزداد قيمة القطعة الفنية بزيادة الطلب عليها، بزيادة عدد المعجبين بها؟ أم أن الفن يكتسب قيمته من ذاته من قدرته على إثارة الإحساس بالجمال لدى الإنسان، من قدرته كذلك على حل اللغز الباطني عند كل شخص وعلى مصالحة الإنسان على ذاته؟

هناك إجابتان بديهيتان لذلك السؤال: بالطبع الفن مثله مثل كل شيء آخر مجرد سلعة، وهذه الإجابة سنجدها في كل مكان من العالم الحديث، لذلك لا يلزمنا التفصيل فيها والدفاع عنها، لأنها تشرح نفسها وتدافع عن ذاتها على ألسنة أغلب البشر الحديثين. هناك إجابة أخرى بطبيعة الحال، هي لا، الفن يتخذ قيمته من سمات أخرى لا يدخل سعر السلعة فيها، وكان مفكرو مدرسة فرانكفورت أكثر المفكرين الذين اهتموا بالتفصيل في هذا الرأي.

إذا لم يكن الفن سلعةً أو سعراً فماذا يكون؟ يمكننا أن نطالع رؤية مفكري فرانكفورت في ماهية الفن في روح فلسفة أدورنو، وقد اهتم هؤلاء الناس فضلاً عن تعريف ماهية الفن بتعريف الطرق التي تتبعها الكيانات المالية الكبرى الهادفة للربح لتسليع الفن (جعله سلعة)، ومن ثم تعظيم هذا الربح باجتذاب أكبر عدد من الزبائن (الجماهير) للسلع (الفنية) التي ينتجونها، منها آلية عبادة الأعضاء التناسلية وآلية الانفعال الزائف وثانياً وهو ما سيتم تناوله بهذا الموضوع: البحث عن بطل وآلية التكرار.

ذلك وصولاً إلى التساؤل حول قدرة الجماهير على استيعاب الفن الأصيل.

البحث عن بطل

الإنسان في بحثه عن البطل الخارق، ذلك البطل الذي كان يتمثل فى ذهن الإنسان البدائى على هيئة إله أو نصف إله فى الميثولوجيا اليونانية والبابلية والعربية، أو بطلًا شعبويًا قادراً على صناعة المعجزات ومحاط بهالة من الأساطير كما فى السيرة الهلالية. منذ لحظة ظهوره على الأرض كان يشعر بالضعف حيال الطبيعة ولم يكن أبداً فى مأمن من كوارثها المتتالية؛ فاخترع النظام الاجتماعى الذى خفف وطأة فعل الطبيعة، ثم بدأ يضج من النظام، ويبدو أن هذا النظام أيضًا لم يحميه بالشكل الكافى من الأخطار المحدقة به، من الأشياء التى يعجز عن فهمها. هذا الإنسان المحصور بين ويلات الطبيعة وكبت النظام، كان عليه أن يخترع كائناته الأسطورية وأبطاله الخارقين، الذين بطبيعة الحال سيعوضون عبر الخيال شيئاً من إحساسه بالعجز، لقد احتل الأبطال الخارقون مساحةً لا يضاهيها شيء في الميراث الفني والأسطوري والفكري للإنسان عبر كل العصور.

البطل الخارق حديثاً:

هل يعيد البطل الخارق تقديم نفسه في صور أخرى أكثر سذاجة؟

إذا نظرنا إلى طبيعة المنتج الفنى الذى تنتجه سنيما هوليوود (أفلام السوبر هيرو ومجرم الشاشة)  أو بعض الروايات ذائعة الصيت (هارى بوتر كمثال)، والتى انتقلت بدورها للسنيما والأعمال الأدبية المكتوبة بالعربية، سوف نجد تجسيدًا لا يكف لهذا البطل الخارق الذى يستطيع الإتيان بأشياء لا يقوى عليها البشر العاديون، من خلال الفانتازيا أو حتى عبر الأعمال التى تأخذ طابعًا واقعيًا فى الظاهر.

لقد شهد القرن العشرين دراما هائلة حول الشخصيات البطولية، فأدولف هتلر الذي يعرف الآن باعتباره ديكتاتوراً دموياً ومجرم حرب كان يتمتع بشعبية بالغة في فترة حكمه، هذه الشعبية المنغمسة في مشاعر الوله والإعجاب الشديد بالبطل الجبار والمنقذ المنتظَر لم تنتشر في ألمانيا وحدها، بل في ربوع عديدة من العالم وبمبررات مختلفة، مرة كمنقذ من اليهود ومرات كمنقذ من الإنجليز، وعلى مقربة من هتلر كان دوتشي إيطاليا وفرانكو إسبانيا وستالين الاتحاد السوفيتي.

 يبدو أن جنون البطل الخارق كان قد اجتاح أوروبا وما خلفها في ذلك الوقت لا في الفن وحده بل في الواقع أيضاً، وهنا يستطيع مفكرو فرانكفورت أن يقوموا بإرساء دعائم نظريتهم، تلك التي تتلخص في أن رأسمالية القرن العشرين قد خلقت أفراداً لديهم احتياج لا يشبع لنموذج البطل، لذلك لا يبدو غريباً بالنسبة لهم حين يكون هذا النموذج الخارق من الأبطال هو السلعة الفنية الرائجة جماهيرياً.

  هل ضاعفت الرأسمالية ذلك الاحتياج وجعلته يصل إلى أعلى سقف له منذ بدء التاريخ البشري، أم أن الرأسمالية خلقت هذا الشعور أصلاً (بحسب ما يرى أدورنو)، أم أن التفسير يقبع خلف باب ثالث بخلاف هذين الخيارين؟ هذا هو السؤال الذي سيلاحقنا عند كل ذكر لمدرسة فرانكفورت أو أي من المفكرين الماركسيين، وربما يتأجل النقاش حوله هذه المرة أيضاً.

دونالد ترامب

آلية لتكرار

كان فالتر بنيامين قد أشار إلى آلية أخرى غاية فى الأهمية تتبعها شركات الإنتاج السنيمائية والتسجيلات الصوتية بالإضافة للكتاب الأعلى مبيعاً، أو ما تحبذ دور النشر المراهنة عليه فى سوق الكتب، فيشير “بنيامين إلى أن  الرأسمالية فى اعتمادها على “آلية التكرار” فى الإنتاج الفنى تضمن فى كل مرة أن تكون السلعة الفنية القادمة سوف تحقق مبيعات جيدة، فبنجاح وصفة ما فى فيلم سنيمائى مع الجمهور، فإن هذه الوصفة يتم تكرارها مرارًا فى أفلام أخرى، وجميعنا يعلم كيف تمت إعادة تدوير موضوعات ثابتة مثل دراكولا، أو الروبوتات، أو حرب الكواكب مئات المرات فى سنيما هوليوود، وكيف تم استيراد معظم ثيمات أفلام الحركة من هناك ليتم تدويرها عشرات المرات فى السنيما العربية، وهكذا الحال حتى يتم امتصاصها بالكامل وتقيؤها من قبل الجمهور ليستعدوا لوصفة أخرى يتم إنتاجها لعدد آخر ضخم من الأفلام، فالفن الذى كان يطمح فى القديم لجعل كل نتاج إبداعى فريدًا ومختلفًا، أصبح يذهب إلى تكرار نفسه حتى النفاد.

إفلام السوبر هيرو في السنيما الأمريكية

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: