الثقافة الاستهلاكية والسلعة الفنية

في الحالتين لا ينبغي أن تخلو أية قطعة فنية من عناصر التسلية والترفيه والبهجة، لكن الوقوف عند حدود التسلية يجعلُ من الفن مجرد سلعة استهلاكية (من الاستهلاك)

لا أحد يستطيع الاستغناء عن الفن، ولا أحد يستطيع كذلك تجنب الفن في كافة مماراساته اليومية والاجتماعية، تتواجد الفنون في ممارساتنا الكلامية في الأزياء التي ننتقيها وفي الأمثال الشعبية التي لا نكف عن ترديدها، ذلك بالمقدار نفسه الذي نذهب فيه لاقتراف الفن في الكتب واللوحات والسنيمات والمسارح، بعضنا يرى في الفن فرصة للتسلية وتفريغ الضغط والكبت اليوميين، والبعض الآخر يرى فيه فرصة للدخول إلى أعماق ذاته وفهم نفسه والتصالح مع ذاته ومع العالم المحيط به، وفي الحالتين لا ينبغي أن تخلو أية قطعة فنية من عناصر التسلية والترفيه والبهجة، لكن الوقوف عند حدود التسلية يجعلُ من الفن مجرد سلعة استهلاكية (من الاستهلاك)، يتم استهلاكها وهضمها والتخلص منها مثلها مثل فطائر البيتزا وعلب التونة وتيشرتات ماركة نوكيا، ومن هنا يأتي مفهوم السلعة الفنية والفن الاستهلاكي والثقافة الجماهيرية الاستهلاكية، فن يقف عند السطح ولا يدخل إلى أعماق النفس البشرية.

تعني “الثقافة الجماهيرية” التى تحدث عنها ثيودور أدورنو ذلك الاتجاه فى الفن الذى تموله مؤسسات رأسمالية كبيرة وهدفه الأساسى هو الربح لذلك فمن المفترض أنه سيقدم لعدد كبير جداً من الجماهير من خلال وسائل الإعلام والآليات التكنولوجية الحديثة، ومن المفترض أيضًا أن هذا (النوع من الفن) سيرضي نطاقا واسعا من الأذواق بحيث يحقق أعلى معدل بيع ممكن، لذلك يمكن تسميتها بشكلٍ أو بآخر ثقافةً استهلاكية.

وبحسب هذا المفهوم فإننا نقف إذاء مفهوم آخر للفن والثقافة عما عرفه العالم قبل القرن العشرين، طريقة جديدة للتعامل مع هذه الكيانات باعتبارها سلعاً من الممكن أن تنتَج على نحو معين من أجل أن تباع لأكبر عدد ممكن ومن ثم تحقق الأرباح المنتظرة، ومن هنا يظهر مفهوم تسليع الفن، وستختلف طبيعة هذا المنتج الإبداعى بالضرورة لأنه قد خضع تمامًا لآليات السوق لا للمعايير الجمالية أو الأغراض المثالية التى كان يرتكز عليها الفن فى عهود سابقة حيث كانت ترعاه الأرستقراطية الأوروبية، أو حتى على قيم جمالية صرفة بظهور نظرية الفن للفن، وهذا ما يراه أدورنو تمامًا، وبدأ فى عرضه من خلال مقالات بدأت عن الموسيقا كفن يتعرض لتغيرات دراماتيكية فى القرن العشرين. كان ذلك في أربعينات القرن العشرين.

بالطبع نحن إذاء مفاهيم وحركة للتاريخ أوروبية خالصة، لكن ماذا لو تساءلنا عن مدى تأثير هذا الحراك السلبى أو الإيجابى على مجتمعاتنا الشرق أوسطية، فسوف نجده جلياً، فى وقت أصبحت فيه آليات السوق الحرة واجبة على الجميع، ونمت فيه الطبيعة الاستهلاكية فى هذه المجتمعات إلى معدلات لا تقل أبدًا عما هو الحال عليه فى الدول المنتجة، والفن بدوره أصبح قابلًا للاستيراد عبر وسائل تكنولوجية حديثة، ولأن السلع الأكثر رواجا من بين المنتجات الفنية كانت سهلة الاستهلاك سريعة الهضم يقوم معها الفرد بدور المستقبل السلبى الذى يتناول العمل الفنى فى حالة من الذهول بحسب تعبير “فالتر بنيامين”، وهذه الحالة نادراَ ما يتحرك معها ذهن المتلقى أو خياله.

  هكذا يمضى أدورنو فى تفسير أطروحته على مستوى التاريخ ثم يؤسسها بناءً على علم النفس الفرويدى، ويشير إلى  تدخل رأس المال فى الفن مع ازدهار عهد الرأسمالية الاحتكارية فى أوروبا، ذلك الذي ترك أثره البالغ على طبيعة العمل الإبداعى، وهو لا ينفى كون الفنانين كانوا يتلقون فى بعض المناسبات تكليفات من النبلاء ثم من أثرياء الطبقة البرجوازية الذين أخذوا على عاتقهم رعاية الفن، إلا أن المعايير التى حكمت هذه الآلية كانت على درجة كبيرة من الاختلاف، حيث كان الفنان يسعى لإنشاء قطعة فنية تتموضع بذاتها فى التاريخ، وتستطيع وحدها تخليد اسم موجدها بالإضافة لمن تولى رعايته بالمال من الأثرياء، ولابد أن ذلك كان موضعًا للتفاخر بين النبلاء والأثرياء فى تلك الأزمنة، أما بظهور الثقافة الجماهيرية فقد تحرر الفن من الاهتمام بتخليد نفسه إلى مراقبة إمكانية الانتشار بين أكبر عدد من الجماهير، هذا بغض النظر عن القيمة  الجمالية أو التاريخية.

وباعتباره يساريًا فقد كان يقدم أفكاره على خلفية ما أحدثته الرأسمالية فى المجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة فى معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت، والذى أنشِيء فى الأساس من أجل رصد تأثيرات الرأسمالية على الطبقة العاملة، وكذلك مدى تأثير الرأسمالية على السلوك الاجتماعي للأفراد، لقد فسروا سلوكيات الناس في المجتمع الصناعي تفسيرات طريفة لا تخلو من وجاهة، ولا تخلو كذلك من قابلية للرد والنقد وإمكانية افتراض النقصان فيها وإمكانية سحبها نحو الاكتمال بدرجات متفاوتة،  والتقاط بعض الأفكار الكاشفة فى نظريات أدورنو حول الفن والمجتمع الصناعي تصبح مثيرة للاكتشاف والتفكير لكل تلك الأسباب.

سيقدم هذا الملف صورة سريعة عن مفهوم الثقافة الاستهلاكية كما تناوله مفكرو مدرسة فرانكفورت، وبالتحديد عن الأسباب التي تجعل لهذا النوع من الفن عمل المخدرات، الفن باعتباره سلعة مخدرة تقف عند حدود الترفيه والتسلية، وهنا يرى مفكرو فرانكفورت الاجتماعيين أن الأسباب الرئيسية لرواج هذا النوع السطحي من الفنون تتلخص في تمحور تلك الأعمال في جزء منها حول الأعضاء الجنسية، والسبب الثاني هو استغلال منتجي تلك الأعمال لآلية نفسية عظيمة الأثر على الجماهير في العصر الحديث وهي آلية الانفعال الزائف، ثم أن لدينا في هذا الصدد رغبة جماهيرية يمكن أن نسميها البحث عن بطل وآلية جماهيرية أخرى هي آلية التكرار.

مقالا تابعة للملف:

1- عبادة الأعضاء الجنسية

2- البحث عن بطل

3- روح فلسفة أدورنو

%d مدونون معجبون بهذه: