الفروق الطبيعية بين عقلي الرجل والمرأة!

في حادثة أثارت الأوساط العلمية خلال عام 2018، قام فيزيائي إيطالي من جامعة سيرن يدعى “أليساندرو ستروميا” كان يلقي محاضرةً على طلابه كالعادة، ثم تطرق فجأة إلى قضية الفروق الجندرية  ووصف النساء بأنهن أقل قدرة من الرجال على الإبداع في مجال الفيزياء.

أليساندور ستروميا

 تناقلت المجلات والمواقع العلمية هذه التصريحات بعد أن نشرتها صحيفة الجارديان حيث اعتبرها البعض نوع من العدائية والعنصرية تجاه النساء، ومن ثم تم استدعاء عدد لا بأس به من علماء النفس والأعصاب لتبيان وجهات نظرهم العلمية تجاه دعاوى ستروميا، واللطيف في هذه الضجة هي أنها فتحت المجال على الملأ مرة أخرى للدخول إلى هذه القضية الشائكة التي طالما شغلت أذهان الناس على مر العصور، وأثرت في تاريخ المجتمعات وطرق تنظيمها، وقامت على إثر نقض هذه الفكرة أو إثباتها الكثير من المطالبات والمعارضات التي يحف بها تاريخ الحركات النسوية في العالم.

سيمون ديبفوار

كان ستروميا قد أقام  دعواه على اختبارات الذكاء التي أجريت على مدار عقود لطلبة الفيزياء في الجامعات الأوربية والتي أثبتت تفوق الطلبة الذكور على الإناث في كل مرة.

 لم يخلص الأمر من توجيه بعض الاتهامات إلى المؤسسات العلمية بمحاباة النساء (الأقل ذكاءً) على حساب الرجال عملًا بتقاليد قديمة –بحسب ستروميا- من شأنها الحفاظ على عدد غير قابل للنقصان من النساء داخل هذه المؤسسات، وحقيقة الأمر أن هذه التصريحات لم تخرج عبثًا أو في غير وقتها من فم ستروميا خصوصًا بعد حصول امرأة وهي “دونا ستريكلاند”على جائزة نوبل في الفيزياء بالمناصفة خلال الشهر نفسه الذي شهد تصريحات ستروميا.

بصرف النظر عن شكوى الأستاذ الجامعي من التمييز ضده كذكر ربما تكون السطور التالية فرصة جيدة لتناول هذه القضية عن قرب:

هنالك فروق تشريحية بين مخ الرجل والمرأة، لكن هل تكفي هذه الفروق لإثبات أن أحد الجنسين أكثر ذكاءً من الآخر؟ هذا ما حاولت (ماريا ناتشا راجا) عالمة الاعصاب في جامعة كيبيك الكندية التساؤل عنه من أجل تفنيد تصريحات ستروميا، بحسب راجا التي أدلت برأيها في الأمر لموقع ليف ساينس العلمي فإن هذه الفروق التشريحية لا تكفي لإثبات هذه الفكرة أو عكسها، فهناك مناطق في المخ لدى الرجال أكبر حجمًا من الإناث بالطبع، لكن العكس صحيح أيضًا.

كان ستروميا قد تحدث عن تفوق الطلاب الذكور في اختبارات الذكاء على الإناث، بالتحديد ما سماه ستروميا بالذكاء الفيزيائي، أما عن ماريا ناتشا راجا فاختبارات الذكاء وحدها لا تكفي لإصدار حكم، بدليل أن هنالك اتجاه قوي في علم النفس المعرفي الآن لتجاهل قيمة هذه الاختبارات في تحديد مستوى الذكاء أصلاً، كما أنه لابد من الأخذ في الاعتبار الفروق الثقافية للأفراد مما يعني أن اختبار الذكاء وحده لن يكون معبرًا إذا طبقناه على أفراد من ثقافات مختلفة؟ أليس كذلك!، إذا كان كلام راجا حقيقياً سيجد ستروميا نفسه مطالباً بإيجاد تبرير لإدخاله اختبارات الذكاء في القضية.

 السؤال الذي يمكن أن يكون أكثر تشويقًا من سؤال راجا قد يكون عن أنواع الذكاءات نفسها، فإذا كنا نتحدث عن الذكاء باعتباره كياناً واحداً لا يتجزأ سيكون لكلام ستروميا معنى ودلالة، لكن إذا أُخِذ بعين الاعتبار أن الذكاءات متعددة ومتنوعة فإن لفظة الأذكى لن تنطبق بدورها على الرجل أو المرأة إلا إذا تفوق أحدهما دون الآخر في كافة هذه الأنماط وهو ما لا يحدث فعلًا.

بحسب مراجع علم النفس المعرفي وعلم النفس التطوري، فإن المرء ينبغي أن ينفي عن ذهنه ثلاث أفكار،

الأولى: هي أن الرجال أكثر تفوقًا في المطلق من النساء أو العكس

أن الجينات هي وحدها التي تتحكم في طبيعة الذكاء ونوعه.

أن أمخاخ الرجال والنساء متطابقة

على الرغم من أن أمخاخ الرجال والنساء ليست متطابقة وعلى الرغم من أن هناك فروق إبيجينية بين الرجل والمرأة، ألا أن ذلك لا يعني إلى الآن أن أحدهما متفوق على الآخر.

بالنسبة لفرع علم النفس الحديث العهد والكثير الأهمية Evolutionary psychology الذي تمتلك مكتبتنا العربية ترجمة وحيدة له بنفس العنوان، فإن الرجل يتفوق على المرأة في بعض الذكاءات التي تتعلق بقدرته على القيام بمهمة وحيدة والتركيز فيها بشكل يفوق المرأة مما قد يفسر بشكل جزئي تفوق الرجال نسبياً في الوظائف التي تتطلب تركيزاً عالياً وتفرغاً تاماً من الذهن.

 تتفوق المرأة في ذكاءات من نوع مختلف، منها القيام بمهام متعددة في نفس الوقت وهو ما قد يفسر تفوقهن في الوظائف التي تحتاج لهذا النوع من الذكاء، يرجع السبب في ذلك إلى أن أجدادنا البشر الذين سبقونا في العيش على كوكب الأرض منذ آلاف السنين وورثنا جيناتهم ظلوا لفترات بالغة في الطول معتمدين على عمليات صيد الفرائس التي يقوم بها الرجال، بينما تتولى المرأة مهمة جمع الثمار بالإضافة للمهام العديدة الأخرى المتعلقة بالمنزل وتربية الأطفال، ولنفس السبب كان الرجال مصممين للتعامل مع الأماكن الواسعة وتحديد الجهات في الغابات الشاسعة والتركيز بدقة على الفرائس، ورجال اليوم ورثوا هذه الذكاءات محملة على كروموسامتهم الجنسية، بينما النساء فكن مصممات لتمييز التفاصيل الصغيرة والتعامل بدقة داخل الأماكن المحدودة المساحة.

بيانات علم النفس التطوري قد تصبح مضللة إذا فكرنا أن الجينات وحدها هي التي تساهم في تحديد ذكاءاتنا، ماذا إذا أخذنا تأثير العوامل البيئية في الاعتبار؟ البيئة تسيطر على أغلب تكويننا، علاقة الإنسان بمنزله بلقمة عيشه بأهله منذ الطفولة بمهنته وأبناء مهنته بمجتمعه بالطريقة التي يجيب بها على سؤال الوجود أي معتقده الديني، كل تلك العوامل البيئية هي التي توجه جيناتنا، أو بطريقة مختلفة: تحدث حالة جدلية بين البيئة بكل مشتملاتها وبين الجينات، وفي تلك الحالة لا يمكن الإتيان بكلمة فصل في الموضوع من خلال العلم.

السؤال الأهم هو، لماذا نُصر على سؤال التفوق أصلاً؟

هل نحنُ في المكان المكان الخاطيء؟

ربما نبحث عن استكمال الإجابة في باب: حكمة.


مصادر:

ديفيد بوس: علم النفس التطوري ترجمة مصطفى حجازي

Robert& Karin Sternberg: Cognitive Psychology

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: