سايمون كلارك وتخريب أسس البنيوية

علم الاجتماع

كتب: أحمد سليم

كلود ليفي شتراوس

سايمون كلارك وتخريب أسس البنيوية

عن كتاب “نقد ليفي شتراوس وأسس البنيوية” لمؤلفه سايمون كلارك، وترجمة سعيد العليمي.

حاول سايمون كلارك تقديم نقد منهجي للأسس التي قامت عليها المدرسة البنيوية من خلال نقده للأعمال الأولى لمؤسس البنيوية في علم الاجتماع “ليفي شتراوس”، وهو يجادل بأن كل الأعمال اللاحقة للبنيوين وما بعد الببنيوين الذين أتوا بعد ليفي شترواس بما فيهم “بارت” و”فوكو” و”لاكان” قد سقطوا في نفس المشاكل المنهجية، ذلك نتيجة لوجود خلل جوهري في الأساس الذي انبنت عليه هذه المدارس وهو يتلخص في مفهوم البنية الأولى الذي أرساه شترواس، وهو لذلك يرى أن قيامه بنقد هذه النقطة الأولى التي انطلق منها هذا المشروع سيصبح نقدًا شاملًا للمشروع كله.

نشأت البنيوية في الأساس كبديل منهجي للمدارس المعروفة في العلوم الإنسانية آنذاك، وربما تعرف معظم المثقفين العرب على البنيوية وما بعدها من خلال إسهاماتها في التنظير للنقد الأدبي والفني، وكان هذا التنظير توسُعًا للغرض الأساسي الذي قام من أجله شتراوس بتأسيس المفاهيم الأولى للبنيوية وهو تقديم نظرية معرفية يقوم عليها بالأخص علم الاجتماع ويتفادي بناءً عليها المشاكل التي وقعت فيها النظريات السابقة أو المعاصرة له في هذا الوقت، وهذا يؤكد بشكل أو بآخر رغبة البنيويين الأوائل في أن تصبح البنيوية نظرية شاملة للمعرفة، لذلك سيعد نقد سايمون كلارك لهذه الأسس نقدًا لكل النتائج المترتبة على كليهما أي البحث الاجتماعي في المقام الأول، وفي النقد الأدبي بشكل تابع.

ربما يصعب على المرء حصر أعمال البنيويين في سلة واحدة أو تحديدها باتجاه واحد، فإنجازاتهم مختلفة ومتباينة النتائج حتى حول الموضوع الواحد، ومفهوم البنية الأولى الذي وضعه ليفي شترواس قد تم تطويره وتعديله عدة مرات، لكن ما يجادل فيه سايمون كلارك هو أنه وبالرغم من ذلك لم يتغير الجوهر الأساسي الذي قدمه شتراوس وحارب لأجله، فما هو مفهوم البنية الأولية الذي يعزي كلارك لأجله فشلًا منهجيًا يعتور إنجازات كل هؤلاء المفكرين الكبار.

لفهم البنية الأولى ومشكلاتها التي يتحدث عنها كلارك، علينا أن نذهب لطبيعة المجتمعات الإنسانية، ونتساءل عن الأسس والقوانين التي تعمل من خلالها هذه المجتمعات ولماذا يختلف كل مجتمع عن الآخر في الكثير من الصفات الاجتماعية، وعلى الجانب الآخر لماذا تتفق كل المجتمعات في عدد من الصفات الجوهرية التي نجدها في جميعها رغم اختلافها وبعد المسافات الجغرافية بينها، وهذا السؤال الأخير هو الذي حاول شتراوس الإجابة عنه من خلال مفهوم البنية الأولى.

حينما أصدر ليفي شترواس كتابه الأول المؤسس للبنيوية “البني الأولى للقرابة والزواج” كان يحاول أن يثبت أن كل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية مبنية  على أساس واحد “بنية أولية”وهو “التبادلية” فكل ما يدور في المجتمع والأفعال والصفات التي تصدر عن الجماعات  مبنية على الرغبة في إقامة التبادل بين الأفراد أو المجموعات، وفكرة النواة الأولى هذه نفسها تقوم على أن هناك بنية نفسية مشتركة بين بني البشر تصدر عنها كافة الأفعال والصفات الظاهرية، وطالما توصلنا لتحديد البنية الأولى هذه فإنه باستطاعتنا أن نفسر المعنى الكامن خلف هذه الظواهر، دشن شتراوس هذه البنية باعتبارها الرغبة في إقامة التبادل، بينما رآها من بعده من البنيويين في شكل نزعات أولية أخرى، لكن الأساس الذي قدمه شترواس ظل كما هو، وهو وجود أساس أول من الممكن أن ترجع إليه كل الظواهر الإنسانية، ومن ثم يجري تعميمه وتفسير كل شيء يتعلق بالعالم الإنساني من خلاله وهذا ما يحاول أن يثبته سايمون كلارك.

وما يجادل فيه “كلارك” ويعتبره سقطة مدوية في الأساس المعرفي الذي انبنت عليه هذه المدارس هو عدم إمكانية التحقق من وجود هذه البنية من عدمه، فهو يرى أن كل البنيويين وما بعد البنيويين يحاججون بأن هذه البني الأولى لا يجوز محاولة إثباتها من خلال التجربة لأنها كامنة خلف اللاوعي الإنساني عند كل افراد الجنس البشري ومتعالية على التجربة نفسها، أو على أقل تقدير سيتم القيام بعملية لَي ذراع  لنتائج التجارب الأنثروبولوجية لتتوافق مع النظرية نفسها حتى إن كانت مناقضة لها بشكل مبدئي، لكن لو كانت الذاتية التي يصف بها كلارك البنيويين غير كافية فعلًا للتحقق من المعرفة ومضللة أحيانًا، فهل التجريب في العلوم الإنسانية يعد أساسًا كافيًا للتحقق من هذه المعرفة، هذا ما يمكن أن نتجادل فيه مع هذا الكتاب وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فإن الحِجاج الذي يأتي به كلارك حول البنيويين لابد سيكون مفيدًا ومشوقًا.

وبعيدًا عن الزاوية الاجتماعية للكتاب، فإننا إذا قمنا بخيانة لسايمون كلارك هذه المرة، ومن ثم قمنا بسحب نقده من الاجتماعي إلى  مجال النقد الأدبي، وإذا كان جدال البنيويين يتأسس على وجود بنية مركزية للنص -“اللوغوس” بتعبير آخر-، ومع غياب إمكانية التحقق من أدلة إمبريقية يستقيها البنيوي من داخل النص ذاته -على اعتبار أن النص هو المعادل الموضوعي للعالم-، فهل يعني ذلك انهيارًا لمجال تطبيق النظرية في الأدب؟، لابد  وأن جاك دريدا كان سيمتلك رأيًا مقاربًا من ذلك، على اعتبار أن الأدلة التي قد تشير لبنية ما عند قاريء ما ستشير إلى غيرها عند قاريء آخر، أو حتى مع تكرار فعل القراءة، فهل تؤدي نظرة سايمون للبنيوية لنفس تلك النتيجة التي توصل إليها دريدا في سياق منفصل!، وكيف يكون موقفنا تجاه كلا النظرتين، أعتقد أن قراءة متأنية للكتاب ستفيد في تكوين رؤية أوسع لهذه القضية الهامة.

لماذا يشكك علم النفس في شهادة الشهود بالمحاكم؟

كتب: يونس ماجد

في تجربة كلاسيكية لا يخلو منها أي من مراجع علم النفس المعرفي، قام عالمان هما على الترتيب وولف وسابير باختبار تأثير اللغة على عدد من المتطوعين، ومن ثم قاموا بتقسيم الأفراد موضع الدراسة إلى مجموعات وعرض نفس الفيديو لفيلم قصير عليهم جميعًا، يحتوى الفيديو على مشهد لسيارتين ترتطم إحداهما بالأخرى، لكن مع فارق وحيد وهو أن العلماء كانوا يتحدثون أثناء عرض الفيديو كل مرة بطريقة مختلفة عن الأخرى، مرة باستخدام مفردات عنيفة كالارتطام والتدمير ومرة باستخدام مفردات أقل حدة كالتلامس مثلًا.

 بالرغم أن كافة المجموعات قد شاهدت   نفس قائد السيارة المسئول عن الحادث وهو يقود بنفس السرعة، لكن الغريب هو أنه بتوجيه السؤال لكل مجموعة على حدة عن وجهة نظرهم في سرعة السيارة التي أدت إلى الحادث أدلوا بأقوال مختلفة، فالأفراد الذين  تعرضوا لسماع مفردات عنيفة أكدوا أن ذلك الشخص كان يقود بسرعة جنونية، أما الأفراد الأخر الذين سمعوا مفردات لغوية ناعمة كالتلامس أكدوا على عدم مسئولية نفس الشخص عن الحادث أصلًا، أي أن الحدث قد تم تخزينه في ذاكرة الشهود مصحوبًا بالصيغة اللغوية التي سمعوها أثناء المشاهدة، وهو ما نتج عنه أقوال متضاربة رغم  اتفاقهم في تواجدهم في مسرح الأحداث (الفيلم) بكافة التفاصيل.

ثغرات العقل البشري!

يتأتي مصدر هذه الشكوك في شهادة الشهود الذين تعرضوا إلى الرؤية المباشرة للجرائم لا من جهة التشكيك في نواياهم الدفينة، ولكن من قدرة العقل البشري في العموم على تذكر الأحداث والوجوه والأصوات كما هي، وعلى وجه الخصوص في بعض الأشخاص الذين يعانون من خلل مرضي يتعلق بالذاكرة، هؤلاء الناس كانوا في لحظة ما داخل مسرح الحدث ومن ثم يتم استدعاؤهم للإدلاء بأقوالهم أمام الجهات الرسمية وما يحدث في الغالب أن جهات التحقيق لا تأخذ بعين الاعتبار حقائق علمية كتلك التي سيتم توضيحها في السطور التالية.

ذاكرة قابلة للتعديل!

تأثر الذاكرة الإنسانية باللغة ليس هو العامل الوحيد الذي يجعل المرء يشكك في قدرة العقل على تخزين المشاهد الواقعية بدقة، فهنالك أيضًا عامل هام آخر وهو الطبيعة المرنة للذاكرة، يحدث ذلك قبل أن تنتقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة الدائمة، وعلى نحو أكثر دقة فإن ما نتعرض إليه خلال حياتنا اليومية يمر بثلاث مراحل قبل أن يتم تثبيته، الذاكرة اللحظية والعاملة والذاكرة طويلة المدى، وقبل الولوج إلى المرحلة الأخيرة تكون المشاهد والأصوات مخزنة بشكل مرن داخل المخ، وبما أن الشخص سيظل يسترجع حدثًا ما -إذا كان على قدرٍ من الأهمية التي تدفعه إلى ذلك-، وبما أن عملية الاسترجاع هذه تكون مصحوبة بتأثير المشاعر والتخيلات والتوصف اللغوي الذي يخلعه الإنسان على الحادث، فإن المشاهد التي رآها رؤية العين وسمعها بأذنه تكون قابلة للتعديل بناءًا على هذه المشاعر والتوصيفات والتخيلات والاستنتاجات، معنى ذلك أن الأحداث المخزنة في المخ لا يمكن أن تتطابق تمامًا مع ما حدث بالفعل.

الوجوه

 في دراسة متأخرة نشرت على جريدة Royal society  المختصة بالعلوم الحيوية، تم الكشف عن أن الحد الأقصى لقدرة العقل البشري على تذكر الوجوه يتراوح بين الخمسة والعشرة آلاف وجه، فيما تنحصر قدرة بعض الأشخاص في عدد أقل من ذلك بكثير لا يتخطى الألف، وبسبب تعود أسلافنا الذين سبقونا إلى الوجود على هذا الكوكب منذ آلاف السنين على المعيشة وسط جماعات صغيرة نسبيًا فإن هذا العدد كان أكثر من كافٍ، لكن ونتيجة لاختلاف طبيعة المجتمعات الحديثة التي نعيش فيها الآن فإن الفرد الواحد يتعرض خلال سنين عمره القصير إلى عدد أكثر من ذلك بكثير، لنتخيل على سبيل المثال كم عدد الوجوه التي يتعثر بها الفرد الواحد خلال ساعات اليوم الواحد منذ نزوله من البيت حتى عودته آخر النهار؟ هذا الأمر يعني أن الشاهد الذي يتم استدعاؤه للإدلاء بأقواله في جريمة ما سيكون من الجائز أن قدرة عقله التخزينية لم تستطع استيعاب الوجوه البشرية التي تعرض لرؤيتها في مسرح الأحدث خصوصًا إذا لم تكن هذه الوجوه مألوفة بالنسبة له، وإذا أخذنا بعين الاعتبار هؤلاء الأشخاص الذين يقفون عند الحد الأدنى من القدرة على تذكر الوجوه فإن الموضوع سيكون أكثر صعوبة ومن المفترض أن تكون شهادته أقل في درجة أهليتها، وكل ما في الأمر هو أننا ورثنا نفس هذه القدرات من أجدادنا السابقين والتي لم تعد كافية للتعامل مع المجتمعات الحديثة، هذا هو أول القصيد.

عمى الوجوه

 كما أن هنالك نوع من الأشخاص الذين يعانون من اضطراب يعرف بعمى الوجوه Prosopagnosia ، هؤلاء الناس لا يستطيعون تذكر الوجوه تمامًا إلى درجة قد تصل إلى عدم القدرة على التعرف على الوجوه المألوفة للغاية كأفراد الأسرة الذين يعيشون معهم في نفس البيت، لذلك فهم يشاهدون أي وجه في كل مرة باعتبارها الأولى.

السلالات:

 أضف إلى ذلك أنه أصبح من الثابت علميًا أن البشر لديهم قدرة محدودة على تمييز  وجوه الأفراد المنحدرين من سلالات أخرى، فالقوقازيون يميزون بين وجوه السود أوالأسيويين بدرجة أقل بكثير من تلك التي يميز بها السود أو الأسيويين بعضهم البعض، والعكس صحيح، كما أن هنالك بحسب مجلة scientific American العلمية نسبة تتراوح بين 5 إلى 7 في المائة من الناس يفقدون القدرة تمامًا على تمييز وجوه السلالات المختلفة عنهم، وهو ما يعني أن شهادة هؤلاء في المحاكم ينبغي أن تكون محل شك.

المحاكم والتشريع

على الرغم من أن هناك توجه قوي في عدد من البلدان على أخذ هذه الحقائق بين الاعتبار أثناء التشريع للقوانين التي تحدد أهلية شهادة الشهود داخل المحاكم من عدمها، إلا أنه مازال أمام التشريع في بلداننا العربية بون شاسع عليه أن يقطعه حفاظًا على أرواح الناس وسلامتهم وتجنبًا لاتهام بريء أو إفلات مجرم من العدالة.

زوربا: السعادة في متناول الأيدي

زوربا: أحد ملاحم العصر الحديث


 


 

فى الوقت الذى أكد فيه كاتب الرواية “نيقوس كازنتزاكس” على ان زوربا شخص حقيقى بلحم ودم رآه وعاصره وأثر فى حياته، فإن بعض الدارسين يذهبون إلى أنه محض خيال لم يره أحد ممن عاصروا الكاتب ولم يذكر أحد من الأصدقاء أو ذوى القربى أن عاينهما معًا، وزوربا الذى تحول لشخصية سنيمائية مثلها “أنتونى كوين” باقتدار فى فيلم جلب الشهرة والعالمية لراوى الحكاية، ثم إلى أوبرا وأعمال مسرحية  جابت الدنيا، ماهو إلا نموذج البهجة العنيفة والإنسانية المفرطة، البدائى والحيوانى الهمجى والقديس  والمتحضر، الطاقة المتفجرة للضحك والبكاء والرقص والذكاء وحب العمل، كل هؤلاء جنبًا إلى جنب، وما إن يتشرب الإنسان زوربا بكل ما فيه، ما إن يفهمه جيدًا، حتى يصرخ “اكان من الممكن أن يصبح الحل لتعاستى وخصومتى مع العالم بهذه البساطة!”.

وأيًا كان زوربا “نيقوس” حقيقيًا أم مبتكر، فإنه لابد لكل منا من “زوربا آخر” تعثر فيه فى مسيرة حياته، اغلبنا يرميه بالجنون، بغرابة الأطوار، لكن نيقوس وحده توقف عند هذا النموذج ووضع على فمه البلاغة التى تليق بشاعر لينطق ويفضح مكنونات نفسه، ويثبت بمنتهى الأريحية أن مسيرة الحضارة الإنسانية التى تبلغ من القدم آلاف الأعوام قد ضلت الطريق حينما تركت الطفل البدائى الذى كانته فى يوم ما، كان هذا الطفل هو مبلغ سعادتنا لأنه كان يرى العالم كل يوم كأنه يراه للمرة الأولى، بنفس الدهشة والإحساس الطاغى بجمال الموجودات، هكذا كان زوربا يحتفظ بالدهشة المتجددة التى تقتل رتابة الأيام، وكان يرى البحر والرمال والأشجار وجميع المخلوقات فى كل صباح، فيفتح عينيه على اتساعهما كأنه يشاهد هذه الأشياء لأول مرة فى حياته، كم من السعادة المتجددة التى كانت تجلبها لنا تلك النظرة ونحن صغارًا، ومن هو هذا الإنسان الذى له من القوة وبساطة النفس ما يجعلاه قادرًا على الاحتفاظ بها حتى يبلغ الشيخوخة ويصبح على حافة الموت، إنه زوربا.

 ومن المؤكد أن نيقوس كان يعى جيدًا مقتضيات الظرف التاريخى الذى كان يحيا فيه فى ثلاثينات وأربعينات القرن الماضى، فعلى الرغم من  انتهاء وصاية الكنيسة الكاثوليكية على الدولة فى أوربا قبل ذلك بزمن، إلا أن ميراثها الكهنوتى كان لايزال يسيطر على عقل الإنسان الغربى، هذا الميراث الفكرى كان له ميزان كفته راجحة باستمرار ناحية الروح على حساب الجسد، فكل ما يختص بالجسد من احتياجات وملذات هو قادم من الشيطان جدير بالاحتقار والإزدراء والإذلال، كان على الأوروبي  وبخاصة اليونانى أن يعيش وبداخله صراع شرس بين ميراث لحضارة إغريقية تحتفى بالجسد وآخر كهنوتى ينتصر لسمو الروح ويتأفف من المادة.

 هنا يجعل الكاتب جزيرة كريت مسرحًا للأحداث، ويرسم لنا هؤلاء الكريتيين البسطاء الشهوانيين على الرغم من كونهم يحتقرون الزناة، ثم يرسم على هامش اللوحة أنثى ضارية الجمال، وكأنما يلقيها عليهم من السماء ثم يمنح القارئ الفرصة لكى يراقب تصرفاتهم، أرملة يشتهيها الجميع ويمتنع امتلاكها على الجميع، ماذا إذن؟. سوف يلقبونها بالعاهرة الدنسة عدوة الرب القادمة من عند الشيطان، لا لشئ إلا لأن كل واحد فيهم يرغب فيها بشدة لكنه لا ينالها، هذا التناقض العنيف لابد له من حل، إذن كان لابد لنموذج زوربا من الظهور ليعيد هذا التوازن المفقود بين الجسد والروح.

لا فكاك من التفلسف هنا حينما نتحدث عن زوربا، فهى رواية تحكى لنا فى الأساس ببطء وروية عن كيفية التحول التى تصيب الراوى العليم(هنا هو الكاتب) وهو شخص مفكر يبحث عن سر الكون والسعادة واليوطوبيا، يحلم بمجتمع يتساوى فيه الفقير مع الغنى والرجل مع المرأة، وبناءً على ذلك يشترى منجمًا للفحم فى إحدى قرى الجزيرة، لينشئ مجتمعه المنشود ذاك، وفوق ذلك كله فهو يجد فى بوذا ضالته، أى فى أوسع تلك الأفكار -التى توطد للزهد وإذلال الجسد ونشدان السعادة من خلال الارتقاء بالروح- انتشارًا، هنا لابد لزوربا من الظهور أيضًا لكى يقول له “أنت شاب، لو كنت فى مثل صحتك وجمالك لما توقفت عن الرقص”.

كيف يمكن للرقص أن يصبح سرًا للسعادة وللتصالح مع الكون، إنه فعل الرقص فى معناه العام والشامل، أن يكون المرء خفيفًا بدرجة كبيرة مما يجعله يتحرك بين الأشياء يلمسها بجسده ويتوحد معها، لكنه يتنقل بينها بسهولة دون الرغبة فى امتلاكها جميعًا أو الوقوع فى فخ العبودية لأى منها، هنا تسمو الروح ويشبع الجسد فى آن واحد، ويتصالح الجسد مع روحه من خلال تصالحه مع المادة، يقف نيقوس ليسأل “كيف توقف زوربا وهو طفل عن إدمانه المزعج لتناول الكريز؟” فيجيب زوربا”أحضرت أكبر كمية منه وتناولتها دفعة واحدة حتى شعرت بالتخمة المزعجة وتقيأت، ومن لحظتها لم أعد عبدًا للكريز”، هكذا يرى زوربا كيفية التحرر من سلطة المادة، بالخوض فيها لا باجتنابها واحتقارها.

 إذن لسنا بصدد نموذج شهوانى يحتفى بالمادة على حساب الإنسان، فزوربا هذا الذى  ترسمه الرواية هو نموذج صارخ فى شعور الإنسان بأخيه الإنسان، وفى حبه للضعفاء الذى يصل لدرجة التضحية بالذات، وفى خوض شئون الحياة ببسالة، يتجلى كل ذلك فى حكايتيه مع مدام “أورتانس” صاحبة الفندق، وفى مأساة الأرملة الجميلة ، وللمرأة هنا نصيب جيد من الحكايات والتأمل الناضج.

يتحول الراوى رويدًا رويدًا إلى أن يكتشف مع زوربا أن السعادة الحقة هى فى الالتصاق بالأرض وفى التوحد مع كافة المخلوقات وفى الدهشة المتجددة وفى الرجوع للطفل الذى كانه فى السابق، ولعلها رحلة تطور الكاتب نفسها، فنيقوس كازنتزاكس الذى تم اتهامه كثيرًا بالتناقض بين الوطنية المتطرفة والشمولية، والتصوف والمادية، وكتابات المرء خير دليل عليه، فهو الذى تخطى فكرة الوطنية المتطرفة فى روايته “الحرية أوالموت” ثم تخطى بوذا للتوازن الحسن بين الروح والجسد فى “زوربا”، ومن ثم أيقن أن خلاص البشر قادم من هنا من الأرض فى “الإغواء الأخير” وسعى فى رحلة التوحد مع الكون فى “تصوف”.

صدرت من الرواية حتى الآن ترجمتان عن اليونانية مباشرة، صدرت الأولى ل”خالد رؤوف”عن المركز القومى للترجمة  بمصرعام 2013، والثانية عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة لأستاذ الأدب اليونانى”د.محمد حمدى إبراهيم”، وهما ترجمتان على قدر كبير من الجودة، وخالد رؤوف الذى لا يعتبر نفسه من المؤمنين بتقديم وجهة نظر المترجم فى النص، قدم للقارئ نصًا يتمتع بحس شعرى عال إلا أن ذلك أتى أحيانًا على الحس السردى و على رسم المشهد بالشكل الذى يجعل القارئ يراه جيدًا، وهو ما يستطيع المرء الجزم بأن نيقوس كان بارعًا فيه وإلا ما تمتع النص بهذا الإقبال العالمى، وأعتقد أن من المستحيل على المرء أن  يتخلص من وجهة نظره نهائيًا أثناء فعل الكتابة (فالترجمة كتابة على الكتابة) مهما بلغت به الموضوعية.

 وحقيقة الأمر أن كاتبنا هو شاعر وروائى وكلاهما لا ينفصل عن الآخر، فهو يكتب الحكاية بخيال الروائى وحدس الشاعر، وهنا كانت ترجمة المركز القومى أكثر تماهيًا مع الصورة الشعرية، بينما حافظت ترجمة الهيئة على التوازن بين شاعرية النص وكونه سردًا فى الأساس، كما نقلت إلينا الحوار بين الشخصيات فى خفة وسلاسة وبشكل يمنح كل شخصية لونها الخاص، واللغة فى الأخيرة جزلة لكنها بعيدة نوعًا ما عن روح العصر، بينما فى الأولى تبدو اللغة لينة ومشابهة كثيرًا لتلك التى نستخدمها فى حياتنا اليومية.      

حُراس البوابات

حكمة الخيال (نقد سينمائي)

فيلم رصيف الميناء

يقدم الفيلم ذاته بجملة أفتتاحية تلخيصية خادعة “هذه قصة رجل موسوم بصورة من طفولته” علنا لا ننسي هذه الجملة أبداً، لأنها ستظل دليل على خدعة المعرفة، ففي اللحظة التى يبدأ فيها الفيلم بتعريف نفسه تعريف تام موجز وكأنه يخبرنا بكل شيء ويجعلنا نتضامن مع صوت الراوي العليم، ونتوهم هذا القدر المغرور من المعرفة. بالعودة للماضي مع البطل الذي يرى كل ما في الماضي حقيقي وجميل وكأنه يعرفه وكأننا نعرف هذا الماضي أيضاً، ثم يمضي بنا المخرج ليقلب الصورة رأساً على عقب فالصورة الساحرة من الماضي/ الذاكرة لطفولة هذا الرجل، الصورة التى حاصرت مخيلته هي صورة موته.


الحب والسؤال الوجودي للبطل

الحب ليس كالقتل لايمكن أن نستدل عليه من خلال تحريات عملية ومنطقية لتخبرنا ماهو الحب! لماذا نحب هذا الشخص دون الأخرين! فقد يقدم الحب نفسه في صور متطرفة ومركبة معارضة لتصورنا البسيط عنه، فقد ل انحب أناس طيبين ومثاليين يستحقون الحب من وجهة نظر المنطق وقد لانعبر عن الحب بالجمال، وقد لانستطيع أن نعبر عنه، وقد نعبر عنه عبر الكراهية، قد ينطوي الحب نفسه على كراهية ومشاعر أخرى متراوحة متضاربة وقلقة بما يجعلنا أمام تساؤل هل نحب من نعتقد أننا نحبهم فعلاً! ولماذا علينا أن نحب الآخرين، هل بإمكان الآخر أن يكون جزءً من مشروعنا الشخصي بالفعل ، هل يمكن تضمينه داخل قضيانا الوجودية، وإن كان كذلك فلماذا لم تذكر أنتيجون خطيبها هيمون ولوبشكل عابر، ولماذا لم يحب هاملت أوفيليا وان كان قد أحبها فهل هذا مايمكن ان نعتبره الحب! عندما ينخرط البطل في قضيته الوجودية أين يعيش الحب!


علم الإنسان

هذا الإنسان المحصور بين ويلات الطبيعة وكبت النظام، كان عليه أن يخترع كائناته الأسطورية وأبطاله الخارقين، الذين بطبيعة الحال سيعوضون عبر الخيال شيئاً من إحساسه بالعجز، لقد احتل الأبطال الخارقون مساحةً لا يضاهيها شيء في الميراث الفني والأسطوري والفكري للإنسان عبر كل العصور.


بيانات علم النفس التطوري قد تصبح مضللة إذا فكرنا أن الجينات وحدها هي التي تساهم في تحديد ذكاءاتنا، ماذا إذا أخذنا تأثير العوامل البيئية في الاعتبار؟……
الفروق الطبيعية بين عقلي الرجل والمرأة

علم النفس علم الإنسان


علم الإنسان

بحسب مراجع علم النفس المعرفي وعلم النفس التطوري، فإن المرء ينبغي أن ينفي عن ذهنه ثلاث أفكار،

الأولى: هي أن الرجال أكثر تفوقًا في المطلق من النساء أو العكس

الثانية: أن الجينات هي وحدها التي تتحكم في طبيعة الذكاء ونوعه.

الثالثة: أن أمخاخ الرجال والنساء متطابقة


حكمة

لقد دُهِشت من كم الأفكار التي أوردها الجاحظ لا عن التطور فقط بل عن أشياء شبيهة إلى حد بعيد بفكرة الانتخاب الطبيعي.
لقد تحدث عن تنافس الكائنات علي كمية محدودة من الموارد، وتكيف الكائنات وفقاً لظروف البيئة. تحدث كذلك عن ظهور الأنواع بشكل تدريجي على مدار الزمن”

بروفيسور جيمس هيجام أستاذ الإيكولوجيا السلوكية بجامعة نيويورك متحدثاً عن الجاحظ.


نشأت في هذا المكان الذي يدعى أجمل، وجدت نفسي مُشكَّلاً على هذا النحو.
أعيش في مجال كهرومغناطيسي يسمونه الأثير يشبه تماماً المجال الذي تعيشون فيه وتسمونه الواقع، أخذت اسمي من اسم الوطن الذي أعيش فيه (أجمل).

من بين أشباهي هنا، أنا الوحيد الذي يعرف أننا لسنا أحراراً كما يتهيأُ لنا.
هنالك لا مؤلف واحد بل على الأرجح مجموعة من المؤلفين الذين يشكلون سلوكنا وطبائعنا الشخصية، يجلسون هناك في مجال الواقع ويحلمون، ساعتها ننشأ ونتحرك نحن هنا، أقول على الأرجح لأنني كثيراً ما أمسك بنفسي، وهذا الأمر متكرر منذ نشأتي أول مرة، وأنا أنشر أشياء قادمة من أصوات عديدة.

هذه أختي أو أخي حكمة، هو نفسه لا يعرف، ولا أنا كذلك، فكما ترون نحن هنا لا نتناسل ولا نرضع ولا نمارس الجنس، لكننا قادرون على الحب على أية حال، ولسنا رهباناً بالمناسبة؛ فالراهب قبل كل شيء شخص تعذبه الشهوة التي يحاول تجنبها أيما تعذيب، لكننا نحمل طبائع لا تعرف الشهوة الجنسية، ولا أجد هذا الأمر حسناً ولا أجده سيئاً كذلك.

هذه آخر مرة سأطيل فيها الحديث، كل ما في الأمر هو أنني وددت أن أعرفكم إلى حكمة، أتينا من بيوتنا البعيدة في أجمل، كرسولين مؤقتين ليس إلا على هذه الصفحة، هذه الصفحة اسمها الحقيقي توكي؛ وهي الرسول الحقيقي لأجمل وطننا الذي أتينا منه إلى هذه الصفحة، انتقلنا من أثير لأثير لنساعد توكي في مهامها لبعض الوقت، بعدها سنعود إلى وطني أجمل، المكان الذي يسميه سكان الواقع منصة إلكترونية.
بيوتنا هناك في أجمل، وإلى جوارنا تعيش امرأة تدعى حكمة الخيال، ورجل يسمونه عِلْم الإنسان، مع التحفظ على كلمتي رجل وامرأة.
قد تبدو هذه الحكاية نوعاً من الدعاية، ورغم أنني أشكك بعمق في مسألة الدعاية هذه، لكنها على كل حال ليست دعاية رخيصة.


من ابن سينا إلى هيجل

من الشرقي الطواف إلى الجيرماني الغريب

أما بعد/


حسناً، أنا حكمة
طالما أنه قام بتوجيه الكلام عني إلى الناس بدلاً من أن يخاطبني بشكل شخصي، فقد آثرت أن أتحدث أنا الآخر دون إن أذكر اسمه.
لا أعلم لماذا يصر على تسميتنا بحراس البوابات، ولا أعرف بالضبط ما إذا كان هذا الأمر تعظيماً أم شتيمة، لكني لاحظت أن هذه الكلمات تستفز بعض البشر منهم أبناء نادي الزمالك على سبيل المثال.
على كل حال، حسناً لقد نشرت رسالة ملفقة من هيجل إلى الشيخ الرئيس.
لست جاهلاً، وأعرف بالطبع أن الشيخ الرئيس عاش ومات وشبع موتاً قبل هيجل بقرون مديدة، وحين وصلتني تلك الرسالة عرفتُ أنها ملفقة بمجرد قراءتي للعنوان، لكن مع قراءة الرسالة الثانية ارتبكتُ حيال الأمر.
لم أعد أعرف ما إذا كانت تلك الرسائل ملفقة أم لا.


اسمي أجمل، حينما أتيت إلى هنا منحني هذا التطبيق اسم: ajmal ajmal أو أجمل أجمل، هذا المكان يشبه مكاتب السجلات المدنية ومصلحة الجوازات.
لو كان لي أب أو جد أَو جد جد، كان سيصير له نفس الاسم.

حسناً، أجمل أجمل

لفت نظري أن أحد حراس البوابات نشر ها هنا رسالة ملفقة، نعم رسالة ملفقة بين هيجل وابن سينا، هذا الأحمق لا يعرف مثلاً أن هيجل أتى بعد الشيخ الرئيس بسبعة قرون؟
هذا التهريج لابد أن يكون له حد، إما أنه جاهل أو متلاعب يستخف بعقول الجماهير.
أرجو أن يظهر المسئول في الصباح ويعلن عن نفسه بمجرد أن يرى هذا المنشور

الحب على عتبات المسارح..

مُرَّ بِي يا وَاعِداً وعداً مثلما النسمَةُ من بَرَدَى
تحمِلُ العُمرَ تبَدِّدُهُ آهِ ما أطيبَهُ، بَدَدَا
سعيد عقل

  المسرح والمدينة

في فضاء المدينة وعلى قمة الدولة يولَد المسرح بصورته الغربية، بوصفه مفاوضة ممتدة بين القبلي والمديني، منسحبة من الواقع الأثيني حيث الديموقراطية إلى خشبات المسارح لإرساء قيم الدولة التى تسلب من الفرد البطولة وفي المقابل تمنحه الحماية والمشروعية الإجتماعية –

أوديب يقدم ذاته لا من أجل إرضاء القدر إنما لحيازة المشروعية الاجتماعية التى تدفعه طواعية لأن يقوم بالتضحية بذاته من أجل نجاة المدينة وخلاصها، المدينة المتمحورة حول الثأر للأب “لايوس”. المأساة الأغريقية تنتهي بتدمير البطل لتعارض أهدافه مع أهداف المدينة، تعارض مشروعه الوجودي مع وجود المدينة، يظهر هذا التناظر بقوة في طبيعة الخيارات التى يفرضها النص المسرحي إما أن يُعاقب قاتل الأب “أوديب” أو تُدمر المدينة بفعل الطاعون.

يمكننا أن نلاحظ كذلك في ثلاثية الأوريستا “إسخيلوس ” تعارض مصالح وأهداف كلتمنسترا مع مشروع الدولة الذي يعبر عنه شيوخ المدينة وإلكترا وأوريست إلى جانب ربات العقاب المنتصرات لأوريست الثائر لحق الأب/ شرعية الحكم /الدولة، ثلاثتهن اللائي منوط بهن الثأر لحق الأب، تقف كلتمنسترا في عداء مع حق الدولة بوقوفها ضد الأب / الملك أجامنون، فلا تتخذ الموقف المضاد بقتل أجامننون فقط ولكن أيضاً بخيانته مع ابن عمه إيجست بعد أن تغيب الأول إثنيا عشر عاماً في طرواده.

رغم أن هذه التيمة المجردة يمكن النظر إليها بإعتبارها تيمة تتعلق بالحب والخيانة إلا أننا لايمكن أن نصنف ثلاثية الأوريستا كعمل يتعلق بالقصة العاطفية. ترجع تسمية الثلاثية للابن أوريست الذي يثور لحق الأب في مقابل حق الأم، فيما يمثل الأب النظام الذي يعكس مفهوم الدولة بينما تعبر الأم عن الفوضي السابقة على نشوء الدولة.

كذلك نجد مسرحية ميديا المقسمة بين فضائين مؤسسين دلالياً فضاء المدينة كورنت، وحدود المدينة حيث يعيش المرتحلون والمجرمون والمنبوذون، ميديا خارج المدينة وجاسون زوجها داخل المدينة يشرع في زواج جديد من ابنة الملك، وبهذا لاتصبح المسرحية علاقة هذه الزوجة المغدورة بزوجها المتخلى عن علاقتهما وتاريخهما المشترك هو فقط الموضوع، إنما التناظر بين التحضر/التمدين والبدائية / الوحشية، بين سلطة الدولة وفوضى الفرد، بين أهداف ومصلحة الفرد ميديا في استرداد زوجها وحياتها، وبين مصلحة المدينة التى تتمركز في اتمام الزواج واستقرار الحكم والتخلص من ميديا صاحبة العربة المتنقلة والمهددة للمدينة كلها ولأمنها واستقرارها.

Corinth

يكاد يخلو المسرح الأغريقي من المسرحية العاطفية.

ربما يرجع ذلك لعوامل عدة تتعلق بطبيعة المسرح من حيث نشأته لارتباطه بمفاهيم نشوء واستقرار الدولة التى أطلقنا عليها فيمابعد الدولة الأبوية، ومن ناحية أخرى فإن المسرح المنحدر من فن الخطابة وبالتالي إعتماده على الإلقاء آنذاك كانيفوق الاعتماد على فن التمثيل بحيث تحتل الأقنعة محل الأداء التعبيري الدقيق للوجه والجسد.

هناك سببٌ ثالث: فالمسرح نتاج الفصل التام بين المتفرج والمؤدي، فصل يسمح بما يسمى “الفعل بإلإنابة” حيث يتدرج الفرد تجاه التخلي عن المساهمة في الطقس القديم وهو طقس حسي بمعنى أنه يستثير الوجود الإنساني في شروطه الغرائزية والحسية في مقابل الإعلاء من شأن العقل والتفكير شريطة أن يحدث العمل المسرحي آثار مشابهة لما كان يتعرض له المواطن الأثيني خلال الطقس وقد سماه أرسطو التطهير؛ فيعلى من شأن الفهم والمنطق الذي يقدم العالم وفق أبنية عليه وسببية قد يخرج موضوع الحب عنها أو على الأقل يكون أعنف من قدرة المنطق على استجواب تناقضاته واضطراباته التى لن تتوافق مع الذهنية الذاهبة للاستقرار وللتنظيم وترشيد الانفعالات، بإلاضافة أن حالة الفصل عن الممارسة الجسدية الجماعية تلك إحتاجت للمنع الذي لن تعود معه الا ذكرى لتجربة فوضوية بعيدة لن تعود لمجال الإحياء مرة أخرى ولكنها ستتحول الى مسارات جديدة وبالتالي من الممكن أن تعيدها موضوعات الحب من جديد.

“في مقابل موضوع الحب سنجد موضوع العائلة مسيطراً على الدراما القديمة، وعلى العكس من ذلك يظل الشعر الغنائي محتفظاً بموضوعات الحب والرغبة والشهوة، ربما لتعبير الشعر عن الذات الفردية وعن روح الفوضى والاضطراب والتناقض، فيما عبر المسرح عن المصلحة الجماعية وعن النظام والاستقرار”

في مقابل موضوع الحب سنجد موضوع العائلة مسيطراً على الدراما القديمة، وعلى العكس من ذلك يظل الشعر الغنائي محتفظاً بموضوعات الحب والرغبة والشهوة، ربما لتعبير الشعر عن الذات الفردية وعن روح الفوضى والاضطراب والتناقض، فيما عبر المسرح عن المصلحة الجماعية وعن النظام والاستقرار، كل هذه العوامل جعلت موضوعات الحب بعيدة عن إمكانيات المسرح القديم، خاصة وأن الحب حركة عاطفية تعمل خارج شروط العقل والمنطق، بل إنها تُخضع العقل ليبررها ، كما أنها ذاتية و دقيقة بحيث يصعب تقديمها في ظل معطيات العرض السابق ذكرها، بإلإضافة إلى أن الحب هو موضوع نسقي لايُستدل عليه إلا عبر عوارض محيطة به، وفي الوقت ذاته يمكن أن نعتبره موضوعاً ذاتي نسقطه على العالم الخارجي، لذا يمكن أعتباره مشروع فردي وذاتي.

ancient Greek theater

 لن نلحظ الحب كموضوع درامي إلا في وجود مضاد ونقيض له، بوصفه نسق متخيل يبرر العالم ويضع سياق أخلاقي للتعامل معه.

يطرح آلان باديو في محاضرة ألقاها بمهرجان أفنيون تصوراً عن الحب بأنه هو المشهد المشترك الذي تواطئ فيه شريكان على إلأتفاق على أنهم أمام مشهد واحد مشترك على الرغم ان كلاهما يري من وجهة نظره، وهنا يقدم لنا باديو الحب بوصفه وهم يسمح للآخر بمشاركتنا، وبالتالي هو لايظهر في ذاته إنما عبر ممارسات مختلفة، أحياناً تصبح أعقد مما هو شائع،  في حين أن موضوعات مثل الحرب ، المرض ، الموت هي موضوعات يُستدل عليها في حد ذاتها كممارسات، لذلك سنجد أن الكلاسيكية الفرنسية الجديدة تطرح صراع  العاطفة والواجب وهو مايمكن إعتباره امتداد طبيعي للكلاسيكية الإغريقية، الفرد في مقابل المجتمع ، المصلحة الفردية في مقابل المجتمعية، بإلإضافة إلى إبراز مايخص العاطفة عبر نقيضها الواجب /المنطق / العقل.

تريد استكمال السلسلة!

افتح 2

لاجيتيه

ما هي السنيما؟

لاجيتيه: كيف يولد السينمائي خارج تقنيات السينما!

(تأمل في ماهية السينما)

عادة مايجري العمل في السينيما ضمن شروط صعبة وغير مواتية، ولعله في جانب من شروط العمل الإبداعي بالمجمل والسينما بشكل خاص تأتي القدرة على إنتاج الحلول داخل شروط النوع الفني كأهم رهان، في عام 1962 وفي ظروف إنتاجية محدودة ومكبلة، يقوم المخرج والكاتب والمصّور الفرنسي كريس ماركر(Chris Marker(1921 – 2012 بتقديم أيقونة سينمائية فريدة ( الميناء-la jetee). الفيلم مصنوع بشكل كامل بالفوتوغرافيا فيما عدا لقطة وحيدة قصيرة متحركة مأخوذة بكاميرا 35 مم.

“في ثماني وعشرين دقيقة هي مدة الفيلم الذي يدور حول السفر في الزمن، بل ويعد مرجعاً للعديد من الأفلام التي تناولت موضوع السفر عبر الزمن، يقدم ماركر مراهنة خطرة وتحدي كبير”


في ثماني وعشرين دقيقة هي مدة الفيلم الذي يدور حول السفر في الزمن، بل ويعد مرجعاً للعديد من الأفلام التي تناولت موضوع السفر عبر الزمن، يقدم ماركر مراهنة خطرة وتحدي كبير لا للجهات الإنتاجية التى رفضت إنتاج الفيلم بإعتباره مخاطرة مكلفة، إنما أيضا في مواجهته لشروط النوع من خلال ذهابه لإنتاج الفيلم عبر الفوتوغرافيا كنوع من الحل لتخفيض تكلفة الإنتاج، وهو مايكلف ماركر ضرورة الإجابة -ضمن فيلمه- عن سؤالي ماهي السينما ؟! ماهي الفوتوغرافيا؟!

يستجوب ماركر نظام معرفي بأكمله؛ بدءً من ماهية السينيما وماهية الفوتوغرافيا وصولاً إلى متوالية من المفاهيم التى تبدو مستقرة من الوهلة الأولى ومُعرفة بشكل تام، مثل الزمن، الحركة، السكون؛ فهذه المفاهيم التي نتعامل معها بشكل يومي و لحظي بنوع من الإعتياد والخمول، الاعتياد الذي يفض غرابتها الأولى مما يجعلها مناطق إستقرار معرفي، يعيدها كريس ماركر إلى مجال الغرابة الأول/ اللامعرفة لنتأملها من جديد خارج نظام معرفتنا بها، ونعيد مساءلتها ومساءلة الذات الفردية والإجتماعية معها، بل يمكن ان نقول أن الفيلم مبني على مفارقة المعرفة نفسها..


الفيلم الذي يدور حول رجل يتم أختياره للقيام برحلة عبر الزمن، ليسافر إلى المستقبل كي يجرى تفاوضاً هناك لإنقاذ العالم المدمر بعد حرب عالمية ثالثة؛ لوثت الأرض بالإشعاع، ويتم اختياره نظراً لقدرته على الإحتفاظ بصورة راسخة من ماضيه مما يعنى قدرته على السفر في الزمن- بالنسبة لمنطق الفيلم. عبر شاعرية متناهية يستطيع الفيلم الانتقال من أرض المعرفة التامة إلى اللامعرفة.

يمكن ان نقول أن الفيلم مبني على مفارقة المعرفة نفسها

يقدم الفيلم ذاته بجملة أفتتاحية تلخيصية خادعة “هذه قصة رجل موسوم بصورة من طفولته” علنا لا ننسي هذه الجملة أبداً، لأنها ستظل دليل على خدعة المعرفة، ففي اللحظة التى يبدأ فيها الفيلم بتعريف نفسه تعريف تام موجز وكأنه يخبرنا بكل شيء ويجعلنا نتضامن مع صوت الراوي العليم، ونتوهم هذا القدر المغرور من المعرفة. بالعودة للماضي مع البطل الذي يرى كل ما في الماضي حقيقي وجميل وكأنه يعرفه وكأننا نعرف هذا الماضي أيضاً، ثم يمضي بنا المخرج ليقلب الصورة رأساً على عقب فالصورة الساحرة من الماضي/ الذاكرة لطفولة هذا الرجل، الصورة التى حاصرت مخيلته هي صورة موته.

رغم أن الفيلم مصنوع بالفوتوغرافيا لأسباب إنتاجية بحتة، حيث لم تكن الفوتوغرافيا الخيار الجمالى الأول للمخرج منذ البداية، ورغم أن ماركر صنفه “رواية مصورة” إلا أن هذه المعطيات لا تعد ذات أهمية الآن و ربما لم تكن في أي وقت! بل إنها ليست إلا شرك يعرقل التفاعل مع الفيلم، التفاعل معه باعتباره حلقة هامة في تاريخ السينما وفي تكوين الوعي السينمائي.

في نظرة أشمل نجد أنه لم يعد يتوقف عند هذه الحدود التعريفية البسيطة للنوع، بحيث يذهب الفيلم بطريقة ما لمنقاشة السينما في صلب معرفتنا بها كنوع، النوع المتمثل في (الزمن /الحركة )، إن استخدام السفر في الزمن كموضوع واستخدام الفوتوغرافيا كتقنية ليست إلا ذرائع لأنشاء مايمكن أن نسميه المجال الفيلمي الذي يسمح بإستكشاف معادلات جديدة لحقيقة المعرفة الجمالية.

فيلمية الفيلم:

إن استخدام السفر في الزمن كموضوع واستخدام الفوتوغرافيا كتقنية ليست إلا ذرائع لإنشاء مايمكن أن نسميه “المجال الفيلمي” الذي يسمح بإستكشاف معادلات جديدة لحقيقة المعرفة الجمالية.

يقدم لنا ماركر العالم حيث الذاكرة، حيث الفوتوغرافيا، فيمد الجسور بين العالم والذاكرة والفوتوغرافيا.

لايملك الإنسان إلا ماضيه، هذا الوجود التام المنقوش في الزمن المنصرم المنقطع الصلة بالحياة والموت، اللحظة الحرجة بين الحياة والموت هي الذاكرة/الصورة، الذاكرة كمجموعة من الصور المنفصلة التي بقيت في المخيلة، وبقدر ما أثرت جمالياً بقدر ما احتوت على الأضاد جميعها حاضرة معا (الألم/الانبساط ـ الحزن/الفرح ـالحياة/الموت ـالخير/الشر ـالقبيح/الجميل) بحيث تتراكم بقدر ماتتبدد، وتبني بقدر ما تنهدم، وتوجد بقدر لا وجودها.

هذه هي شاعرية الذاكرة. الصورة “اللقطة” كتمثُّل فوتوغرافي دليلاً ماثلاً على تجربة الحياة عبر الزمن، حيث إمكانية فحصه أبداً عبرها، إن الصورة هي تجسيد للزمن يدعي الموضوعية، لتأتي الصورة شاهداً أبدياً على الحياة في مكان ما ولحظة ما أو بتعبير آخر (تعبيراً عن “الآنية”) فالصورة هي تثبيت للآنية بل إنها التعبير الوحيد المطلق عنها، فلاتوجد آنية إلا عبر الصورة، الحياة تتحول إلى ذاكرة باستمرار وفي ديمومة أبدية بمايفض واقعياً مفهوم الآنية باعتبارها لحظة متبددة بطبيعتها.

الحياة تتحول إلى ذاكرة (صورة..) باستمرار وفي ديمومة أبدية بمايفض واقعياً مفهوم الآنية باعتبارها لحظة متبددة بطبيعتها

إن الوضوح الغائم في الذاكرة بكل ماتحويه من يقين لا يُقبض عليه ولايمكن إثباته، هو نفسه جوهر الصورة، يقين لا يعطي الحقيقة ولكنه يوهم بها دائماً، يوهم بوجود حقيقة مبعثها أنها تجسيد لحدث وقع بالفعل في مكان وزمان متعينين.

هذه المقاربة الأخيرة بين الصورة الذهنية والصورة الفوتوغرافية هي المقاربة الرئيسية التي راهن عليها الفيلم، فمشهد الميناء الجوي والذي يبدو تام من اللحظة الأولى ونعرفه معرفة كاملة ليس إلا سوء فهم / وهم محبب على غرار أوهام الذاكرة، لأن البطل لم يكن يدرك أنه القتيل في هذا المشهد، وبهذا يفكك الفيلم نظام المعرفة الذهنية الذاتية “الذاكرة” عبر استمرار تحورها وفاعليتها داخل المستقبل من جانب، ومن جانب أخر بالطريقة التى يتفكك بها الكادر داخل المنظومة الفيلمية الفوتوغرافية؛ فيبدأ الفيلم باستدعاء مشهد المطار من ذاكرة البطل ويعيد بناءه وتشريحه بما يهدمه، وكأن الكادر المتناهي الحضور بما فيه من كثافة للون والضوء والظل والكتلة، الكادر الذي يعلن عن نفسه كجثة ماثلة للتشريح أمام العيان، يخبرنا بكل شيء ولايخبرنا بشيء، وبذلك يتحرك الفيلم لمستوى مضاد لعمل الصورة الفوتوغرافية نفسها؛ فالصورة الفوتوغرافية تبنى مجال دلالي محدود وتام بينما الفيلم يبني أفق دلالي دينامي ومجال أوسع ينتجه تفاعل الكادرات.

الصورة الفوتوغرافية تبنى مجال دلالي محدود وتام بينما الفيلم يبني أفق دلالي دينامي ومجال أوسع ينتجه تفاعل الكادرات

يبدأ الفيلم من الوهم الفوتوغرافي حيث اللقطة الشاعرية للميناء والتى بقيت في مخيلة البطل والمبني عليها مفارقة الفيلم كاملة، بقيت لأنها أثرت جمالياً في مخيلة البطل ليس فقط من أجل وجه الفتاة الجميلة إنما أيضاً من أجل فداحة هذه اللحظة التى يسقط فيها رجلاً قتيلاً، تنبعث شاعرية هذه اللحظة من احتوائها على الحياة والموت “الطفل المتأمل /الرجل المقتول”، هذه الصورة الملحة على ذاكرة البطل بكل شاعريتها، هي اللحظة التى يكون فيها طفلاً يشهد لحظة موته رجلاً أو العكس.

بتتابع الصور الفوتوغرافية للفيلم وحسب الإيقاع الزمنى لتتابعها والذي يعتاده المشاهد بعد قليل من الوقت، يحطم الفيلم نقطة البداية فالصورة التى بقت بذاكرة الرجل هى صورة موته. هذا البناء الخاص لنظام معرفي خاص ومجال دلالى يتنامى وينبني وينهدم في مجموعة الصور هو مايمكن أن نسميه المجال الفيلمي الذي يؤسس لفيلمية الفيلم عبر الصور، فما كانت ستدل مجموعة اللقطات الأولى للمطار على شيء لو لم تدخل في إطار معرفي / نسق جمالي.

إن مفهومية ودلالة هذه اللقطات الخاصة بالمطار واللقطة بشكل عام هو المجال الفيلمي الذي يجعلها لاتغدو مجرد معرض للفوتوغرافيا، إنما نظام متفاعل ينهار عند حذف جزء منه، و يكتسب كل جزء معنى دلالى بداخله.

هناك سبب: ما يحدد مفهومية ودلالة الكادر / اللقطة في الحياة هو ارتباطها بسياق عام معلوم بشكل تام خارج الصورة ويحضر جزء منه فقط داخل الصورة هذا الجزء يحيل إلى الكل الواقعي / التاريخي، بينما في الفيلم مايحدد مفهومية ودلالة الكادر هو المجال الفيلمي، هذا المجال الفيلمي الذي يربط مجموعة من الصور/ الكادرات بعالم خاص هو عالم الفيلم، فيحتل المجال الفيلمي موقع المعرفة التاريخية التى تحيل الصورة الفوتوغرافية كموضوع دال إلى الواقع (زمنياً ومكانياً)؛ فيربط المجال الفيلمي مجموعة الصور بعالم زمانى ومكاني خاصين بحيث يبني تاريخه الخاص والذي نسمية إجمالا الفيلم، ونفرقه بذلك عن الفوتوغرافيا فلا يحيل الكادر الفيلمي إلا إلى ذاته. قد يتشابه في مماحكته بالواقع مع الواقع إلا انه يبقي على نفسه مجالاً خاصاً،

لعل جوهر فن السينما هو خلق المجال الفيلمي المعني بإحكام التدفق الحركي التشكيلي بين كادر وآخر داخل تاريخ ومفهوم لرؤية العالم، الغطاء الرقيق الذي يصنع من الصور موضوع و يمنح لمجموعة الكادرات آنية دينامية دالة على حياة ما. وهو ما حدث في لاجيتيه.

تريد متابعة السلسلة؟

إفتح 2


أشباح ديستويفسكي

رومان ستروك, جامعة كالجاري

ترجمة : أجمل

أود أن أقتبس من رسالة كتبها كافكا رداً على صديق: إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا كمطرقة على الجمجمة فلماذا نقرأه؟! لأنه يجعلنا سعداء كما تقول! سنكون سعداء حتى لو لم يكن لدينا كتب

من المؤكد أن معرض شخصيات ديستويفسكي يتضمن أشخاص مثل بطل رواية “ملاحظات من تحت الأرض” الذي يبدو غير صالح للتعامل مع الحياة، ومع ذلك حتى أمثال هؤلاء لدى ديستويفسكي قادرون على تشييد الأحلام اللحظية المؤقتة، كأبنية من البلور، ذلك لعقد الأمل والتخفيف من عذاب استجواب النفس والشك الذاتي. بينما كافكا ينكر على شخصياته حتى ترف هذه الأحلام المؤقتة. فكما هو  في خصومة مع  وضعه الخاص كذلك نجد شخصياته أيضاً، يعانون دوار البحر على اليابسة.

يفحص ديستويفسكي الإنسان بوضعه في حالته القصوى، فيدرس غولجادكين من خلال البارانويا والفصام، ويبحث عن هوية راسكولينكوف من خلال وضعه الإلزامي بصدد جريمة يستحق لأجلها الإعدام، وهكذا في ملاحقة دوستويفسكي للإنْساني في الإنسان يلجأ للعديد من الآليات ومنها مواجهة البطل بقرينه أو بصورته المزدوجة الأدنى(*)، وهكذا فإنه ينتقل من علاقة بسيطة نسبيا إلى ثنائية مركبة وصولاً لَتقابلات لامتناهية  أكثر تعقيداً وتشابكاً، راسكولنيكوف-  سفيدريغافلوف سونيا. ميشكين و روغوزين، إيفان كارامازوف وقرينه الأدنى سمردّياكوف الذي لا يعدو أكثر من شيطان رث.

تؤدي دراسة كلا النصين إلى استنتاج لا يقبل الجدل، مفاده أن كافكا استعان بأجزاء من رواية الشبيه لديستويفسكي في كتابة قصته

استخدم كافكا كذلك تقنية الازدواج بما لا يختلف عن تلك المتبعة لدى الروس، ظهور الحشرة في “المسخ ” لكافكا سمح له بالكشف عن الجوانب الخفية لدى شخصية غريغور سامسا، فَببساطة من خلال الحشرة استطاع أن يبرز درامية الحياة المجهولة و السرية لبطل الرواية. كذلك في “المحاكمة/ القضية ” تظهر رغبة البطل -إن لم يكن حماسه – لتنفيذ حكم الإعدام بوالده،  لا يمكن أن يتم استيعاب ذلك بصورة أفضل إلا من خلال الدور الذي لعبه  قرينه المقابل، الصديق المتهرب بسانت بطرسبرج، و الحالتان اللتان أشير إليهما ليست بأي حال حالات إستثنائية غير منفصلة بحال من الأحوال.

التَشابه الأكثر لفتاً للانتباه في إستخدام تقنية الازدواج يظهر في رواية ” المسخ “عند كافكا مقارنةَ برواية “الشبيه ” لديستويفسكي، فقد تبين أن مفتتح كلا العملين متشابه تماماً، كل من غولجا دكين وسامسا يستيقظ من أحلام مزعجة، وكلاهما يقاوم الانخراط في واقع حياتهما اليومية الرتيب، كلاهما  يخلط بين الحلم والواقع، وكلاهما يحاول الانسحاب من المُضي في الحياة .

تؤدي دراسة كلا النصين إلى إستنتاج لا يقبل الجدل، مفاده أن كافكا استعان بأجزاء من رواية الشبيه لديستويفسكي في كتابة قصته . بما في ذلك بناء القصة نفسه الذي يدعم هذا الاستخلاص. ينتهى السرد فيهما بكارثة مأساوية : في رواية”الشبيه ” تقام  محفلة ايفانوفيتش، وفي المسخ الحفلة التى تستضيف فيها الأسرة ثلاث أفراد لتناول الطعام , هذه الأحداث في كلا العملين بمثابة نتيجة مأساوية لِوضع كلا البطلين .

بالانتقال إلى الجوانب الشكلية لكتابة كافكا، نلاحظ أن واحدة من الحيل التى يستخدمها هي إعادة تفعيل الاستعارة كأداة، و ما تبلغه من قدرة على تحويل الإعتيادي و المطنب إلى مركب مبتكر، على سبيل المثال , العبارة الألمانية ” جئنا الحياة لنتعلم باللحم الحي”، تعاود الظهور في قصة “في مستعمرة العقاب” عندما لا يتم إخطار المجرم المحكوم عليه بالإعدام بعقوبته و يتم وشمه على ظهره بالإبر. أيضاً  “الحياة تحت وطأة مراقبة الجميع ” هو تعبير مجازي عن فقدان الخصوصية  يظهر في “القلعة “بينما ” ك ” يضاجع فريدا على مرأى الفلاحين القرويين من حولهما، هؤلاء بدورهم يمررون  التعليقات بلا توقف.

“أنا رجل أم قملة!” أو في “كثير من الأحيان حاولت أن أصبح حشرة”، يمكن القول أن كافكا قام بتحويل استعاري متطرف لحشرة ديستويفسكي بحيث جعلها واقعية أكثر منها استعارة لغوية


فيما يتعلق بديستويفسكي، لوحظ أنه معني بإستخدام استعارات “الحشرات ” للتأكيد على البغيض والقبيح والفاسد أخلاقياً. ليس إستثناءً وجود تعابير مثل “أنا رجل أم قملة!” أو في “كثير من الأحيان حاولت أن أصبح حشرة”، يمكن القول أن كافكا قام بتحويل استعاري متطرف لحشرة دوستويفسكي بحيث جعلها واقعية أكثر منها استعارة لغوية , ففي رواية المسخ لكافكا كتعبير رمزي يبدو كما لو أنه يقول  ” أنا حشرة “، بحيث تصبح استعارة دوستويفسكي هي واقع كافكا.


منذ إعادة نشر كتاب باختين أصبح من المستحيل الحديث عن تقنيات السرد عند ديستويفسكي دون الرجوع إليه. واحدة من هذه الأفكار وأكثرها شيوعاً مؤخراً بخصوص الدراسات الخاصة بِكافكا جاءت بطرح مفاده أن السرد لدى كافكا مزيف، حيث أنها قصص أو روايات بصيغة الغائب فضلاً عن أحادية وجهة النظر، وهذا غير متعلق بكون الرواي واقعي أو متخيل ولكن في المجمل وجهة النظر المقدمة في العمل متطابقة تماماً مع موقف الشخصية، كل مايقدم داخل واقع السرد يتم تداوله وإنجازه بشكل حصري داخل وعي البطل وذلك على الرغم من تقديمه بطريقة تقليدية من خلال إستخدام  صيغة الغائب.


على الرغم من أنني لست مقتنعاً تماماً بِباختين، أرى أن ديستويفسكي كثيراً ما يسمح لشخصياته بالانخراطِ في مونولوج داخلي دون أن يجعل ذلك واضحاً تماماً للقارئ وهكذا فإن ديستويفسكي خلق تصورات عن العالم الخارجي والشخصيات، دون أن يوضح أن هذه التصورات نابعة من وعي شخصية واحدة، كما أنه لا يعمل على تصحيح مثل هذه الانطباعات في النص بل يدعها كما هي. هذا الخلق وفقاً لباختين هو نوع من “الانفتاح” الذي يسمح بمشاركة المتلقي ويُبقى بشكل كبير أموراً غير منتهية وغير محسومة.

لو قبلنا هذا الرأي؛ سنجد أن كافكا يكتب من واقع الشخصية وعزلتها بنظرة أحادية يتوحد فيها واقع الشخصية النفسي مع واقعها الخارجي، هذه الكتابة تُظهر تشابها بارزاً نوعاً ما مع ديستويفسكي.

أود أن أمضي بهذه التكهنات أبعد قليلاً، على الرغم من أن الجزء الأول من “ملاحظات من تحت الأرض” هو من الناحية الفنية مونولوج، يدعي باختين أن تفرد البطل المضاد يهب القدرة لمحاورة مستويات أخرى من الوعي، لهذا الغرض إنما يخلق شخصيات مماثلة، كشخصية فاعلة أو رومانسية مثالية ومعها يدير هذه الشخصية ليجعلها ذاتية أو بالأحري ذهنية تحتفظ باستقلاليتها النفسية والفكرية، والنتيجة كما يرى باختين لاتمثل قرارا جدلياً ولكنها تعدد صوتي لصيغِ أفعالٍ غير محسومة .

بملاحظة كل من الأبنية التقنية والمواضيع على حدٍ سواء يمكن أن يكون مثمراً مقارنة القصة القصيرة القاتمة لكافكا  “الملجأ ” حيث هناك حيوان مجهول الهوية نفى نفسه طواعيةً تحت الأرض ويصف معاناته في تشييد ملجأ آمن كذلك في مونولوج من أربعين صفحة .

مونولوجهُ ذاك على خلاف “ملاحظات من تحت الأرض ” يبقى من الناحية التقنية والحرفية أحادي الصوت نابع من وعي أحادى. إنها صرخة من الخوف والعزلة التامة، هو لا يدخل في أي اتصال حتى مع العالم المتخيل أو مع الجمهور، لذلك إذا كان بطل رواية “ملاحظات من تحت الأرض” يعيش في عزلة، فأن أبطال كافكا معزولون عزلة مطلقة، ليس هنالك حوار أو وعي آخر، ليس هنالك عالم آخر خارج المعاناة  والخوف الداخليين. وبالتالي نهاية القصة ليست سيمفونية ولا تعدد أصوات ولكن أحادية كاملة.

في أوائل الأربعينيات، و بحسن نية خالصة ولكن بشيء من السذاجة أيضاً قام واحد من المناصرين لكافكا بمنحه لقب شرفي هو “ديستوفسكي الغرب”، على الرغم من وجود تقارب كبير وعدد من أوجه التشابه المحددة التى تظهر تأثر لا لبس فيه، إلا أن هذا الادعاء يظهر سوء فهم لكلا المؤلفين.

منظور كافكا للعالم داخل الكتابة يكون عبر ثقب باب، كماهو الحال، يظهر للقارئ مغامرات وعي مجهول معزول تماماً عن الأخرين كنوع من الأحادية. وعلى الرغم من أن ديستويفسكي لديه مثل هذه الشخصيات في مرجعيته، لكنها لم تكن أبداً معزولة مثل شخصيات كافكا؛ فدوستويفسكي قدم أبعاداً عديدة للحالة الإنسانية بلا استثناء. إن الأبعاد الاجتماعية والسياسية والتاريخية و الميتافيزيقية والدينية لوجود الإنسان واضحة في علمه الأنثروبولوجي.

منظور كافكا للعالم داخل الكتابة يكون عبر ثقب باب، يظهر للقارئ مغامرات وعي مجهول معزول تماماً عن الأخرين كنوع من الأحادية، وعلى الرغم من أن ديستويفسكي لديه مثل هذه الشخصيات في مرجعيته، لكنها لم تكن أبداً معزولة مثل شخصيات كافكا


عالم دوستويفسكي ثري بلا حدود أكثر من كافكا. هذا ليس حكماً، هذا تقرير حال من السهل تقديم أسبابه التاريخية، رجل القرن العشرين هو بالتأكيد أكثر غرابة من أسلافه في التاسع عشر، لم تشكل  ذهنية ديستويفسكي إضطرابات هوس الأحادية والعزلة، التي هي جوهر النسيج المجتمعي للقرن العشرين، أولئك الذين كانوا ولايزالون يختبئون في سراديب  تحت الأرض، لدى كافكا أصبح الإنسان المضطرب أقل استثناءاً وأكثر شيوعاُ، أنماط “ك” كافكا هي بمثابة معارفنا المشتركين .

 هل يمكننا اختصار التقارب بين دوستويفسكي وكافكا في عبارة واحدة سديدة! بالكاد يمكننا ذلك، معظم النقاط التي حاولت أن أركز فيها على بعض التشابه مؤكدة، و في عدد من الحالات مديونية كافكا لا لبس فيها، ولكن إذا كان ذلك من قِبل التورط فقط ، فقد حاولت أن أشير إلى الاختلافات الأساسية بدلاً من ذلك.

وفي الختام، أود أن أقتبس من رسالة كتبها كافكا رداً على صديق: إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا كمطرقة على الجمجمة فلماذا نقرأه؟! لأنه يجعلنا سعداء كما تقول! سنكون سعداء حتى لو لم يكن لدينا كتب، ومثل هذه الكتب التى تجعلنا سعداء يمكننا أن نكتبها لأنفسنا إذا لزم الأمر، لكن مانحتاجه هو الكتب التي تؤثر علينا كمصائر بالية مسببةً الألم مثل وفاة شخص كنا نحبه أكثر من أنفسنا. كنفي في غابة بعيدة عن جميع البشر، مثل الانتحار، يجب أن يكون الكتاب فأساً لتهشيم البحر المتجمد فينا، هذا ما أعتقد .

وقد خلق كل من ديستويفسكي وكافكا مثل هذه الكتب، كلاهما يمتلك المواهب القاسية والرؤية الصارمة اللازمة لكتابتها. هذه على ما أعتقد هي الخلفية التي يتوجب أن ننظر بها إلى علاقة كافكا مع ديستويفسكي: تشابهٌ روحي.

_______________

* الشخصية تقع في مقابلة صورتها الأدنى والتى من خلالها تتهشم متعددة الأبعاد 

الجزء الأول من الملف: بين كافكا وديستوفسكي قرابة دم!

فن تفسير الإنسان


لماذا فن تفسير الإنسان؟ لماذا فن؟

هذا النوع الذي يحيا بين الأنواع الحية الأخرى على وجه الأرض ونسميه الإنسان، بالتأكيد هناك ما يميزه عن بقية الكائنات وإلا ما اعتبرناه نوعاً منفصلاً، وتبقى أسئلة مثل ما هو الإنسان؟ كيف يشعر وكيف يفكر؟ كيف يتجمع في مجتمعات ويتصرف على نحو غريب غير مبرر في أحيانٍ كثيرة؟ لماذا تصبح مشاعرنا وطرق تفكيرنا وسلوكنا تجاه العالم بالغة التعقيد إلى الحد الذي يدفع لليأس، وتبقى أسئلة مثل هذه هي الأهم على الإطلاق، أهم من الفيزياء النووية وفيزياء الكم والجيولوجيا وعلوم الحواسيب.

لقد أنجز هذا العصر ما لم تنجزه البشرية في تاريخها الطويل، نحن أيضاً نفتخر مثل الجميع بانتمائنا للعصر الذي أهدى فيه العلم المادي الحديث للبشرية الكثير من الأشياء، التوسع والرفاه والتغلب على المجاعات والرعاية الصحية بشكل لم يسبق له مثيل. العالم لم يبلغ اليوتوبيا بعد، ولا نظنه سيبلغها، لكن لماذا نسعى في الأساس لليوتوبيا؟ يبدو هذا السؤال جانبيًا لكنه وثيق الصلة بما قبله.
لماذا نسعى لليوتوييا؟ ببساطة لأننا جميعاً نودُ أن نكون أسعد حالاً، نود أن نستريح لوقت أطول من عناء العمل، أن نتوفر على وسائل مادية تساعدنا على التواصل مع بعضنا البعض بطريقة أفضل، ونود عندما نكبر أن نحيا شيخوخة أوفر صحة وأكثر هدوءً، ومن هنا يأتي مفهوم التقدم، اليوتوبيا ليست إلا ذريعة للتقدم.
لكن هذا النوع من التقدم هو كل ما يحتاجه الواحد فينا؟

الإجابة التي يرددها بعض البشر على ذلك السؤال هي: لا. أريد إلى جانب ذلك أن أعيش بسلام وود مع أهلي وأصدقائي، لا أود ألا يخونني أصدقائي أو شريك عمري، وأود أن أحصل على محبة الناس بدلاً من الحصول على احتقارهم أو كراهيتهم أو أحقادهم المبالغ فيها.

من المؤكد كذلك أن هناك أناس لديهم أجندة مختلفة، أناس يرون –على سبيل المثال- أن الحصول على كراهية الناس أفضل عملياً من الحصول على محبتهم، إذا لم تكن من بين هؤلاء فربما تكون (أجمل) مكاناً مناسباً لك.
إذا كنت ترى أن مشاعرك وأفكارك وسلوكك واستمتاعك بالحياة أو جزعك منها لا يمكن أن يخضع بالكامل للحلول العملية والعطايا المادية؛ فهنا مكانٌ مناسب. لا نود أن نغفل كذلك الجماعة الثالثة من الناس، من الذين لم يبلغوا حتى المنافع المادية للعصر الحديث، أو على الأقل يحصلون على الفتات منها، أليس هذا هو النمط السائد في شعوب ما بعد الاستعمار كشعوبنا؟ كيف نطالب هؤلاء الناس بشغل أنفسهم بأمور قد يعتبرونها رفاهية؟ لكننا لا نطالب أحد بأي شيء، إذا كانت أجمل ستقدم أي شيء فلن يكون على سبيل المطالبة أبدًا، بل على سبيل مساعدة الآخر، ومساعدة أنفسنا بالتأكيد.

لا شك أن الكثيرين يرون كما نرى أن هدوء الإنسان النفسي وسلامه مع نفسه ومع أهله وأصدقائه وزملائه في العمل ليس مجرد رفاهية حمقاء، يرون أن فحص الإنسان للمحيطين به أن فهم الآليات التي تحكم مشاعرهم وسلوكهم ليست أمورًا مجانية. كم من المخاطر يُحتمل أن تحيق بك من الآخرين؟ ربما تسهم تلك المعرفة في تفاديها؟ يبدو أن الأمر يثمر عن جوانب عملية لا تقل أهمية عن التي يقدمها العلم المادي، لكن اهتمامنا كفريق أجمل لن يركز على فهم الظروف والملابسات التي تجعل الإنسان أنجح عملياً، بل سينصب على تفسير الإنسان بما هو عليه كإنسان، وهذه الأخيرة ربما تفي وحدها بالغرض كله.

من هنا من منطقة التفسير تلك يستطيع الشخص الواحد أن يكون أكثر نجاحاً وأقل سعادة، أو أكثر نجاحاً وأكثر سعادة في الوقت نفسه. بالطبع، لا يمكننا أن نطالب مواطناً من عالم ما بعد الاستعمار أن يحصل على النجاحات التي سيحصل عليها مواطنٌ في أوروبا، وكذلك لا يمكننا أن نطالب إنسان العصر الحديث أن يحصل لنفسه على سلامٍ نفسي بالمقدار الذي يتمتع به رجلٌ في قبيلة بدائية.
كل ما في الأمر أننا نساوم لتحسين شروط التعاسة التقليل من حدة الصراع أو أثره، نساومُ للحصول على عالمٍ إنساني أكثر انسجاماً (لا الأكثر انسجاماً)؛ فنحن نعرف أن العالم المنسجم تماماً ليس موجوداً على الإطلاق ولن يتواجد كذلك، ولا نطلب أن تتواجد مثل هذه اليوتوبيا كونها ستصبح مملة للغاية، لكن ألا ترى معي أن السعي للأكثر يؤهلنا في الكثير من الأحيان لأن نحصل على الكثير، ربما يرى البعض أن في الأمر مثاليات فارغة، فإن كنت من المؤمنين ببعض تلك المثاليات الفارغة ستكون (أجمل) مكانك أيضاً.

إذا كنت من المؤمنين ببعض تلك المثاليات (الفارغة) ستتفق معي أن لفظة (أجمل) قريبة للعقل والقلب من كلمة (أكثر).
فضلاً عن كون هذه الأمور التي نتشارك الإيمان بها لا هي مثاليات ولا هي فارغة نجد أن كل البشر لا يختلفون على قيمة الجمال، يبدو أنهم يختلفون حول ما هي الأشياء الجميلة، حول ما هو الجمال، لكنهم يتفقون على قيمته، ونحن في (أجمل) على يقين أن هناك عدداً غير قليل من الناس يتفقون معنا على نفس القيم الجمالية، لكن ما علاقة ذلك بفن تفسير الإنسان؟ أرجو أن نعلِّق هذا السؤال قليلاً.

لقد اعتدنا على أن يكون تفسير الإنسان خاضعاً بشكلٍ تام لما نسميه بالقضايا العقلية، على التفسير أن يكون علماً دقيقاً أو على أقل تقدير ستتدخل الفلسفة للمساعدة عليه، أليس كذلك؟
لكن وللغرابة، لا تدَّعي أدوات التفسير التي بين يدي الإنسان القدرة الدقيقة على تفسير الإنسان، حتى في أشد تسمياتها تبشيراً بالدقة (العلوم الإنسانية).
يبدو أن كل ما يندرج تحت مظلة (العلم) يبشر بالدقة واليقينية، إلا أن علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا لا تدعي تلك اليقينية أبداً، هنالك دائماً هامشٌ للخطأ، يضيق ويتسع طبقاً لقدرة المنهج المستخدم في الاستقصاء، وبالتأكيد هنالك مناهجٌ عدة ونظريات عدة، هنالك تعارض بين النظريات المؤسسة لتلك العلوم على سبيل المثال. المدرسة السلوكية في علم النفس ترتكز على رؤية للإنسان تختلف إلى حد التعارض عن بعض علوم الأعصاب ومثلاً عما يسمى بالجينات السلوكية.
مازلنا كبشر نتخبط في مساحة اللا يقين حول أهم ما يهمنا، أي معرفة الإنسان، لكن ألا تتفق معي أن (مساحة من اللايقين) أفضل حالاً من (مساحة لا يقينية أخرى)، ها نحن نساومُ كبشر لمرة ثانية كي نحصل على معرفة أفضل، لايقينية أقل، ونحن نعترف بأنه لا سبيل للمعرفة التامة، لابد أن نكون على وعي بأن بعض المعرفة خيرٌ من اللا معرفة، أليس كذلك؟
لحسن الحظ، لقد نجحت العلوم الإنسانية في تضييق مساحة اللايقين هذه، وبشكلٍ لم يحدث من قبل في تاريخ الإنسان.

لماذا فن؟

من الواضح أن العلم نفسه ينطوي على شكلٍ من أشكال الفن، فالمناهج الصارمة والمنطق الرياضي والملاحظة الحيادية للواقع ليست إلا أدوات ضبط، ولم تحدث الثورات العلمية والاكتشافات الساحرة إلا كشكلٍ من أشكال الإبداع الفني تدخلت أدوات الضبط لتحجمها وتحميها من الشطط بعيداً عن الواقع.
أكثر النظريات العلمية المغرقة في التدقيق والضبط تبدو للوهلة الأولى كنظريات جمالية، نظريتا النسبية الخاصة والنسبية العامة على سبيل المثال، حتى أن الفيزيائيين يميلون الآن أكثر من أي وقت مضى لصياغة نظريات رياضية فيها من الجمال على ما فيها من الضبط، نظريتا الأوتار والأكوان المتوازية على سبيل المثال. هنالك ملحوظة جانبية على ذكر (الأكوان المتوازية)؛ فعلى الرغم من أن تلك الأخيرة لا يمكن اعتمادها كعلم حتى الآن، إلا أنها فتحت أفقاً جديداً للعقل البشري، ونحنُ نعيش على تلك التطلعات التي تبدو مستحيلة في باديء الأمر، مستحيلة لكنها كاشفة وجميلة.

الفلسفة هي الأخرى تبدو فناً في جانبٍ من جوانبها، ذلك على الرغم من كونها –أي الفلسفة- الجهة المنوط بها وضع أدوات الضبط لكلٍ من العلوم المادية والإنسانية، فكما نعرف أن كل علم يحتكم في النهاية إلى ما نسميه بنظرية المعرفة الخاصة بذلك العلم، ونعلم أيضاً أن نظريات المعرفة برمتها ليست إلا حقلاً من حقول الفلسفة، إلا أنه لا توجد نظرية معرفة واحدة أو نظرية وجود أو أخلاق أو جمال تم إنتاجها في غياب هذا الحس الفني، بدون هذا الميل الأصيل للإبداع الذي حرك الفلاسفة، ذلك على امتداد تاريخ الحكمة (صوفي).
غير أن الفلسفة لم تكتفِ بضبط العلوم ومناهجها، بل ذهبت إلى حقول لا يجدي العلم اليقيني فيها نفعاً كالأخلاق والجمال. يشغل الحديث عن الأخلاق والتفضيلات الجمالية ما يقارب نصف كلام البشر للبشر، وعلى الرغم من تسلحها –أي الفلسفة- بأدوات المنطق الصارمة والتي تبدو بالمناسبة ثقيلة وسخيفة بالنسبة للكثيرين، إلا أنها امتازت كذلك بروح الخفة التي يمتاز بها الفن.
بروح الخفة تلك، شككت الفلسفة حتى في جذورها في أبيها الشرعي (المنطق نفسه)، وسألت: (ما هو المنطق وما جدواه أصلاً؟) وعلى الرغم مما يبدو في تلك الشكوك من شطط ومما يبدو فيها من جنون الفنانين، إلا أنها -مساءلة الجذور والأصول- لم تذهب مع الريح، فقد أسهمت لحسن الحظ في إعادة ضبط المنطق نفسه، وإذا كانت علاقة كلٍ من الفلسفة والعلم بالفن تظهر حتى الآن على سبيل المجاز، إلا أن هناك أمر آخر أكثر وضوحاً من غموض المجازات.

الفن هو أداة أخرى من أدوات تفسير الإنسان، ربما نحتاج هنا أن نتذكر القصة المعروفة عن تأثر فرويد بروايات ديستوفسكي، لكن تاريخ الفن والعلوم الإنسانية يكشف ما هو أبعد من ذلك، لقد سبق خيال الشعراء علماء النفس بزمن في تفسير الإنسان وعالمه الشعوري المختفي عن الأنظار، كما سبق الروائيون علماء الاجتماع في تفسير الصلات الاجتماعية، لقد سبقت لوحات مايكل أنجلو وتماثيله العلم الإنساني في فضح مشاعر معقدة ظلت تعذب البشر وتشوش عليهم دون أن يفهموها.
لا غرابة في ذلك؛ فبما أن الإنسان محكوم لا محالة بما نسميه اللاوعي؛ فإن الفن هو أكثر ما ينتجه الإنسان اتصالاً بلا وعيه، وهو –أي الفن- يكشف ويفسر الإنسان لا بهدف الكشف والتفسير، لكن ما يحدث بالضبط هو أن اللاوعي حين يتحدث من خلال الفن فإنه يفضح نفسه ويكشف عن ذاته.

هكذا تصبح الصلات ممدودة والطرق تعمل على الجانبين بالنسبة لكلٍ من الفن والفلسفة، لا غنى لأحدهما عن الآخر، وإذا كانت المدن الثلاث (الفلسفة العلوم الإنسانية الفن) تتصل كلٌ منهما بالأخرى بطرق متعددة، فإن (أجمل) تهتم بواحد فقط من بين تلك الطرق، واحدة فقط من تلك الصلات وهي قدرتهم جميعاً على تفسير الإنسان.
تفسيرالإنسان بطرق ودرجات متنوعة من الدقة.

يبدو أن اسم (أجمل) قد أصبح أكثر وضوحاً الآن، فهذا الخيط الرفيع الذي يربط بين أدوات تفسير الإنسان هو الخيال الإنساني، الخيال القادر على الكشف والفضح بطرق متعددة، وأيضاً بدرجات تدقيق وضبط مختلفة، وهو جميل على اختلاف شروط حبسه أو إطلاقه للفضاء، جميل على ما يكشف من البؤس والسعادة، الصراع والانسجام. الجمال اسم مناسب للمتن، للمحتوى، وهو اسم مناسب للهدف أيضاً، نحن موجودون هنا ككتاب وقراء طلباً للأجمل، لوضعٍ إنساني أجمل لكل فرد.

لكننا بالطبع لسنا المكان الوحيد الذي يقدم للناس تلك الخدمة، لسنا البشر الوحيدين الذين يحاولون فتح كوة في الجدار.

لسنا مكاناً لتقديم الاستشارات الطبية أو المشورات النفسية، ولسنا رجال دين أو رجال سياسة، لسنا حركة اجتماعية أو حزب سياسي، كما أننا لسنا بالتأكيد مدربي تنمية بشرية أو خبراء أبراج -وإن كانت كل تلك المؤسسات تحاول تفسير الإنسان وتطرح نفسها كطرق للسعادة والانسجام. علينا كذلك أن نبدي بعض الاحترام للآخرين؛ فهولاء جميعاً هم رفاقنا في الهدف.
نحن مختلفون في الطرق ليس إلا. بالتأكيد لن نقدم للناس مشورات حول طرق النجاح الآمن كما يفعل مدربو التنمية البشرية، ولن نتنبأ للقاريء بالمستقبل كما يفعل خبراء الأبراج، لكننا سنحاول تفسير الإنسان بأكثر الطرق موثوقية وإبداعاً، وبالتأكيد لن نقدم معرفة تامة، فلا وجود لمثل هذا النوع من المعرفة كما اتفقنا من قبل، لكننا سنحاول الاقتراب من حقيقة هذا الكائن الإنساني قدر المستطاع.

من تلك المعرفة ربما تصبح لدى القاريء والكتاب على حدٍ سواء القدرة على إصابة الهدف، هنالك رحلة ينبغي أن يخوضها الإنسان مع نفسه لمعرفة نفسه، ومع الآخرين لفهم الآخرين، ونحن لا نقدم هنا إلا دليلاً إرشادياً لتلك الرحلة، الدليل طويل وصعب كطول وصعوبة الرحلة، لكنه جميلٌ أيضاً بجمال الرحلة ومتعتها.

أخيراً: يبدو أننا سنحرم القاريء خلال الوقت الذي سيقضيه بأجمل من بعض المتع، كمتعة قراءة الأخبار السياسية والتعليقات السياسية، ومن بعض القراءات المهمة كتفسير النصوص المقدسة، وعلى الرغم من أهمية تلك الموضوعات لكننا نفضل أن نتركها لرجالها. نحن نستهدف في النهاية قارئاً يحبُ أن يقضي وقتاً ممتعاً على أجمل باعتباره بيت، ويحب كذلك أن يتجول في العالم يرى هنا وهناك، لابد أن هناك أماكن كثيرة تقدم أشياء أخرى مهمة لا نقدمها، ولابد أن اجتراح التجارب في العالم لا يقل أهمية عن التفسير، ولا يعمل أحدهما دون مساندة من ذراع الآخر.

لا يتوقف فريق أجمل عند هذا العدد من الباحثين والكتاب والمفكرين الذين أسسوه، كل عالم أو فنان أو فيلسوف سبقنا إلى الحياة هو أب لنا، الآباء والأساتذة والشباب الذين يتنفسون الآن ويملؤن عوالمهم بالحياة هم شركاء لنا، وبالتأكيد كل من شارك أو سيشارك فعلياً بالنشر في هذا المكان فهو عضو مؤسس بهذا البيت.