روح فلسفة أدورنو

روح فلسفة أدورنو (فيلسوف الفن الماركسي)

تكمن هذه الروح فى فلسفة أدورنو فى إشكالية واحدة هى أن الفن الحقيقى الذى يستطيع تغيير الأفراد وبناء المجتمعات لابد أن يكون على خط واحد مع الفكر، ودور هذا الفن هو نفسه دور الفكر أي  تنمية العقل النقدى لدى الجمهور تجاه العالم، يقول آلان هاو متحدثًا عن نوع الفن الذي نتقده أدورنو:

“ذلك أن التفاصيل فى العمل الفنى مصممة فقط لتناسب الكل –البنية الكلية والإطار الخارجى للعمل- بدلًا من أن تظهر –تلك التفاصيل- كيف تتشكل الأشياء فى الواقع بطريقة تناقضية وديالكتيكية”

لا يمكن فهم ماهية الفن (الحقيقي) لدى أدورنو إلا بفهم نقيضه أي الأعمال الفنية المنفصلة عن الواقع، تلك الأعمال –من وجهة نظره- تؤدى دور المخدر مطمئنة الجمهور أن هناك عالمًا مكتملًا تسير فيه التفاصيل بانتظام وانسيابية لتشكل الكل، والكل ذاك يشبه البناء المكتمل للعمل الفني، إنها حالة من التضليل من وجهة نظر أدورنو لا تليق بالفن الحقيقي.

  تلك التفاصيل التى يخيطها الفنان (غير الواقعي) تكون محض صنعة زائفة مخالفة للطريقة التى تتشكل بها الأشياء  فى الواقع، فبدلًا من أن نبرز صراع الشعور ونقيضه والسلوك ونقيضه وخليط الفطنة والسذاجة والتراكيب النفسية المعقدة فى تاريخ الشخصية والتى سوف تدفعها لإصدار أفعال، أفعالٌ هى فى الأساس صراع مركب لعوامل مركبة بالضبط كما يحدث فى الواقع، بديلٌ عن ذلك يبنى الفنان شخصيات مسطحة تسير فى اتجاه واحد فى مسيرة تطورها نحو نهاية حتمية يحددها المؤلف مسبقًا.

إذن لا يمكن للعمل الفني الحقيقي إلا أن يكون واقعياً، وبما أن الواقعية لدى أدورنو أو أي من المفكرين الماركسيين ليست إلا الجدل الماركسي، فعلى الفنان أن يكون ملتزماً بتحليل الواقع طبقاً لقوانين الجدل قدر التزامه بالخيال.

  كان لثيودور أدونو كتابات ممتدة حول الفن الاستهلاكي والفن كسلعة يمكن للشركات الكبرى التربح منها على نطاق واسع، ذلك دون النظر إلى ماهية الفن نفسه، ولفهم موقف أدورنو من الفن الاستهلاكي والثقافة الجماهيرية ينبغي الإحاطة بمفهومه هو أولاً عن الفن.

لقد اتهم أدورنو مع بقية فلاسفة فرانكفورت بعدة اتهامات من بينها عداوته لللغرائز الجسدية والحرية الجنسية في الفنون، وربما يأتي ذلك من انتقاده لتمحور الأعمال الفنية حول الأعضاء الجنسية، بما يمكن أن نسميه عبادة الأعضاء الجنسية، إلا أن فيلسوف فرانكفورت كان يقصد إلى أمر آخر بديهي بالنسبة لأي شخص سيتفق معه حول تعريفه لماهية الفن، وهو أن الجنس وما يحيط به من (مشاعر تتماس مع الآخر والطبيعة وكل شيء آخر في العالم) لا يمكن حصره في الأعضاء الجنسية، مما يجعل تمحور موضوع الجنس في السنيما على سبيل المثال حول الأعضاء الجنسية مجرد محاولة لتسليع الفن والتربح منه على أوسع نطاق، أي خيانة للفن وللجنس بشكلٍ أو بآخر.

الاتهام الثاني الذي يلحق بأدورنو هو احتقار الجماهير، وربما يتأتي هذا اللبس من مفهوم الثقافة الجماهيرية نفسه، ففي حين يقصد أدورنو من هذا المصطلح ترويج الثقافة والفن باعتبارهما مجرد سلعة، فهو كذلك وقبل كل شيء كان يفكر في الجماهير على نحو مختلف تماماً من الاتهامات التي ألصقت به.

يصر أدورنو على نفى المفهوم الشائع عن كون منتجات الثقافة الجماهيرية فى الموسيقى والسنيما والأدب والفن التشكيلى هى فنون شعبية الطابع، هذا المفهوم كان سيفسر الانتشار  الهائل لتلك (السلع) الفنية، غير أن أدورنو يقدم مفهومًا آخر للفن الشعبى، فالشعوب تنتج فنونها الخاصة من داخلها وبشكل تلقائى وببطء، بينما تُفرض منتجات الثقافة الجماهيرية عليهم من أعلى، من الشركات الرأسمالية نفسها.

 وما يؤكد عليه أدورنو فى شئ من النبوغ، هو أن الجماهير ليست على هذا المستوى من السذاجة أو الغباء ما قد يفهم من السياقات التى سبق وتحدث عنها، بل أن أعداد الجماهير التى تكتشف يومًا بعد يوم سذاجة هذه الآليات الفنية  فى ازدياد مستمر، لكن المعضلة الأكثر إثارة فى الموضوع هى أنهم على الرغم من كونهم يعرفون طبيعة السلعة المقدمة لهم إلا أنهم يواصلون شراءها، يحدثُ ذلك بسبب كونها البديل الوحيد المتوفر والذى يمكن الوصول إليه بسهولة أكثر بكثير ممما نجد فى الفن المستقل.

ثانيًا (وهو الأهم): لأن استهلاك هذه السلع الفنية أصبح ضرورة للفرد حتى يكون داخلًا فى سياق مجتمعه الحديث، حتى لا يبدو كمسخ غريب لا يعرف بعض الأشياء عن نجوم الشاشة ومطربى القنوات الفضائية المشهورين، تلك المقولات والمعلومات عن هذه الأمور التى يتحدث عنها الجميع ولا يمكن لأحد أن يتخلف عنها وإلا تم نبذه وتوصيفه ببعض الأمور المشينة من قبيل “الرجعى” و”الريفى الساذج” وما إلى ذلك من هذه الأمور، هذا بالإضافة لما أسماه
أدورنو ب”الفردنة الزائفة” وهو موضوع يلزمه حديث منفصل.

ربما تدعو نظرة أدورنو للفن باعتباره انعكاساً لجدل الواقع للتفكير حول ماهية الفن نفسه، وهي فكرة تثير الجدل بطبيعتها مع أفكار أخرى عظيمة الشأن أيضاً كنظرية الفن للفن، وهذه قيمة فلسفة الجمال، أنها تبقي المجال مفتوجاً للنقاش حول أهم ما يسعدنا: مفهوم الجمال نفسه.


%d مدونون معجبون بهذه: