عبادة الأعضاء الجنسية

الفن الاستهلاكي والسلعة الفنية (ملف خاص)

عبادة الأعضاء الجنسية في بعض الديانات القديمة

(هل يستخدم الفن الاستهلاكي نفس الآليات؟)

بعضنا يرى في الفن فرصة للتسلية وتفريغ الضغط والكبت اليوميين، والبعض الآخر يرى فيه فرصة للدخول إلى أعماق ذاته وفهم نفسه والتصالح مع ذاته ومع العالم المحيط به، وفي الحالتين لا ينبغي أن تخلو أية قطعة فنية من عناصر التسلية والترفيه والبهجة، لكن الوقوف عند حدود التسلية يجعلُ من الفن مجرد سلعة استهلاكية (من الاستهلاك)، يتم استهلاكها وهضمها والتخلص منها مثلها مثل فطائر البيتزا وعلب التونة وتيشرتات ماركة نوكيا، ومن هنا يأتي مفهوم السلعة الفنية والفن الاستهلاكي والثقافة الجماهيرية الاستهلاكية، فن يقف عند السطح ولا يدخل إلى أعماق النفس البشرية.

يرى مفكرو فرانكفورت الاجتماعيون أن الأسباب الرئيسية لرواج هذا النوع السطحي من الفنون تتلخص في تمحور تلك الأعمال في جزء منها حول الأعضاء الجنسية، والسبب الثاني هو استغلال منتجي تلك الأعمال لآلية نفسية عظيمة الأثر على الجماهير في العصر الحديث وهي آلية الانفعال الزائف.

الدوران حول العضو الجنسي

كان أدورنو يتفق مع زميليه فى معهد البحوث الاجتماعية “هوركهايمر” و “ماركوزة” فى أن التأثير الواسع للثقافة الجماهيرية على الأفراد يرجع لاعتمادها على آليتين أساسيتين هما “الليبيدو” و”الانفعال الزائف”(1)، وجميعنا يعرف كيف أصبح من شروط الأعمال الفنية فى الموسيقا أو السنيما أو الأدب أن تحتوى على قدر معين من الجنس، وبحسب تعبيرات أدورنو فإن الرغبة الجنسية فى هذه الأعمال قد تمحورت حول الأعضاء التناسلية مغفلةً بذلك بعض المكونات الأخرى المتعلقة بالرغبة. الطبيعة بأسرها تعمل كمكونات خارجية للرغبة من وجهة نظر أدورنو.

  تمحور الرغبة الجنسية حول الأعضاء التناسلية ليس سلوكاً مجانياً؛ فهو قبل كل شيء سلوك له أسباب اجتماعية أنتجته وله كذلك نتائج ترتبط بموقف كل فرد من مسائل شديدة الأهمية كالجنس والحب والعلاقة بينهما.

ثيودور أدورنو

 وضع الجنس بغير موضعه وبشكل غير مبرر لا يخدم القطعة الفنية التى بين أيدينا أصبح إجراءً متبعاً  فى صناعة الفن الجماهيرى، وربما تجد هذه الأشياء من يدافع عنها من قبيل تقديس الجسد وما إلى ذلك، إلا أن ما يحدث بالفعل هو إنتاج عمل يشكل الجنس جزءً أساسياً من مساحته لكنه لا يخدم غرضه، كما أن الأمر بحسب فلسفة أدورنو قد خرج عن تقديس الجسد فى غرائزه الطبيعية التى هى جزء من النظام لتصبح النظام كله.

الجنس ومشمولاته:

 الأعضاء الجنسية كجزء من منظومة المشاعر الإنسانية المحيطة بمسألة الجنس والحب  نجحت بشكل أو بآخر في اختزال الجنس كله  فيها، وعلى الرغم من وجود العضو البيولوجي في منطقة شديدة الأهمية من مسألة الجنس، إلا أن هذا النظام (الجنسي) أكبر بكثير من حدود العضو التناسلي، فهو لا يتوقف عنده ويخرج من تلك النقطة الضيقة إلى  تماس مباشر مع الطبيعة والأفراد المحيطين ومع مشاعر الكراهية والحب والخوف وكافة الأشياء والأحاسيس والارتباطات الشرطية الأخرى المحيطة بالجنس والحب، كما أن اعتراض أدورنو لم يكن منصباً على تضمين مشهدٍ ليبيدي فى عملٍ فنى، بل على طبيعة هذا التضمين التى تهدف فقط لأن تجعل من هذا العمل سلعةً رائجة.

إنفعالٌ زائف

والجانب الآخر من ارتكاز  فرانكفورت على النظريات النفسية فيما يتعلق بهذا الأمر هو ما سنسميه  بالانفعال الزائف، ومن المؤكد أنه أيضًا كان يتحدث إنطلاقا من خلفيته الماركسية، الرأسمالية الاحتكارية ويما أحدثته من كبت وضغط مستمرين على العاملين فى المؤسسات الاقتصادية العملاقة وهي تدعوهم في نفس الوقت لأن يكونوا مرنين وقادرين على قولبة طباعهم وشخصياتهم بناءً على ما يستجد من طبيعة العمل.

 أفراد مضطرون على الدوام  للبحث عن مزيد من المال  من أجل استهلاك مزيد من السلع بغرض إرضاء حاجاتهم التى لا تشبع، وفي كل مرة بعد إشباع الحاجة يكون هنالك منتج جديد يستدعيهم للهاث خلفه، ومن هنا لا يملك سوى أن يستهلك المزيد من السلع التى  تفيض عن احتياجاته الحقيقية؛ لغرض آخر بخلاف الحاجة المياشرة وهو أن يظهر بمظهر الفرد المتمدين الذى يطالبه به المجتمع الحديث من خلال ما يرتديه من أسماء تجارية أو ما يأكله في مطاعم ذات علامات تجارية مميزة.

إنها الدائرة المغلقة التى تفتقد لأي فسحة من الوقت يتنفس فيها الفرد ويستطيع خلالها أن يستكشف مشاعره الحقيقية وأن يفرغ طاقاته المكبوتة على نحو جيد وحقيقى، وطالما أنه لا يستطيع أن يفرغ مشاعر الحب والكراهية وأن يمنح جسده ومشاعره انفعالاً حقيقياً، فلا يجد أمامه سوى السنيما والموسيقى فى أنماطهما التى تمنحه قدراً من الانفعال والحركة المزيفين، سواء فى مشهد (أكشن) أو فى أغنية شعبوية تحفز على الرقص العنيف، وهو ما عرفه هوركهايمر وماركوزة باعتباره انفعالا زائفًا، ذلك على عكس الانفعالات الحقيقية التي تمنحها الحياة أو يمنحها الفن (الحقيقي).

عبادة أم مركزية؟

على ما يبدو، فضل منظرو فرانكفورت وبالتحديد أدورنو مصطلح (مركزية الأعضاء الجنسية) على عبادة الأعضاء الجنسية، ربما لما يثيره المصطلح الأخير من مسائل تاريخية؛ فتقديس الأعضاء الجنسية قديم في التاريخ البشري، نجد ذلك في تماثيل آلهة الخصوبة عند المصريين القدماء واحتفالات الخصوبة لدى الإغريق والكاماسوترا لدى الهنود وعشتار في الحضارة البابلية. لقد احتل الجنس بكافة محمولاته -كالخصوبة والولادة والحب والأعضاء الجنسية بطبيعة الحال- مكاناً بارزاً في التفكير والشعور البشريين على مدار تاريخ الإنسان، فلماذا يصدر أدورنو علاقة الرأسمالية الحديثة بالتمحور حول الأعضاء الجنسية دون سواها من العلاقات التي قد ترتبط بهذا التمحور؟ في الحقيقة لا يمكن فهم الليبيدو دون ربطه بالانفعال الزائف.

هذا يخدم ذاك

لا يمكن فهم كيف تغذي الرأسمالية مشاعر الليبيدو دون فهم الانفعال الزائف؛ فالتمحور حول العضو الجنسي يرتبط بطلب المتعة في أكثر صورها مباشرة وسهولة، ولا يثير هذه الحاجة الملحة للمتعة المضخمة والشرهة والمباشرة إلا حالة من الكبت النفسي العام، وهي حالة الانفعال الزائف التي أشار إليها مفكرو فرانكفورت، والرأسمالية باعتبارها المصدر الحصري  لحالة الكبت العام –من وجهة نظرهم- فهي بالتالي  مصدر حالات الانفعال الزائف، يحدث ذلك حين يلجأ الأفراد لتفريع انفعالاتهم المكبوتة بأسهل طريقة متاحة وبشكلٍ زائف، وتصبح أقصر الطرق للمتعة الجنسية العصابية في مجتمع مصاب بالعصاب هي تقديس الأعضاء الجنسية، وبشكل أدق: الدوران حولها.

هنا يصبح  الفن وسيلة لتفريغ الكبت المجتمعي العام، ذلك الكبت الناجم عن الدوران في عجلة الإنتاج والاستهلاك والإنتاج والاستهلاك بلا نهاية أو مبرر حقيقي، كما يتحول لوسيلة للتباهي الطبقي. باعتبار الفن –من هذا المنظور- مجرد سلعة تشير  كغيرها إلى الوضع الطبقي للناس.

قد يعاب على مفكرى فرانكفورت من هذا الجيل احتقارهم الظاهر للجسد، إلا أن هذا الاحتقار المزعوم لا يتخطى إطار المظاهر، ففى جوهر هذه الفلسفة لا يوجد تعارض مع الاحتفاء بالغرائز الجسدية باعتبارها جزء لا يتجزء من الذات الإنسانية، لكن ما كانوا يقصدون ويتوجهون باللوم اللاذع تجاهه هو استغلال هذه الغرائز والانفعالات من أجل إنتاج  سلع تستطيع تحقيق أرباح سريعة، وعلى الرغم من أن النظم الشمولية التى انبنت على أكتاف ماركسيين فى غضون القرن العشرين قد أنتجت أنواعًا أخرى من الكبت من المؤكد أنها قد أثرت فى الفن بطرق مغايرة عن تلك الناتجة عن النظام الرأسمالى، لكن ذلك لا ينفى أن الرأسمالية فى طورها الحالى قد أنتجت نماذج لا حصر لها من الفن المشوه تسيطر على جماهير الفن وتتحكم فى أذواقهم.

وقد يلزمنا إعادة التفكير كذلك حول الرأسمالية، هل هي السبب الوحيد والحصري لكل الأشياء السيئة ومنها تردي الفن وفساد الذوق العام، أم أنها ساهمت في خلق حالة من الكبت والإتجار في الكبت فعظمت من صعوبة الموقف، هل اتسمت الشعوب طوال تاريخها بالتعامل مع الفن باعتباره نوعاً من التفريغ والتسلية ليس إلا؟ أم أن تلك المشكلات هي وليدة عصر الرأسمالية حصراً؟  سيجيب مفكرو فرانكفورت ب (حصراً)، وسيجيب آخرون ب (ساهمت)، وفي الحالتين هي مساهمة يشكلٍ جزئي أو كلي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: