فن تفسير الإنسان


لماذا فن تفسير الإنسان؟ لماذا فن؟

هذا النوع الذي يحيا بين الأنواع الحية الأخرى على وجه الأرض ونسميه الإنسان، بالتأكيد هناك ما يميزه عن بقية الكائنات وإلا ما اعتبرناه نوعاً منفصلاً، وتبقى أسئلة مثل ما هو الإنسان؟ كيف يشعر وكيف يفكر؟ كيف يتجمع في مجتمعات ويتصرف على نحو غريب غير مبرر في أحيانٍ كثيرة؟ لماذا تصبح مشاعرنا وطرق تفكيرنا وسلوكنا تجاه العالم بالغة التعقيد إلى الحد الذي يدفع لليأس، وتبقى أسئلة مثل هذه هي الأهم على الإطلاق، أهم من الفيزياء النووية وفيزياء الكم والجيولوجيا وعلوم الحواسيب.

لقد أنجز هذا العصر ما لم تنجزه البشرية في تاريخها الطويل، نحن أيضاً نفتخر مثل الجميع بانتمائنا للعصر الذي أهدى فيه العلم المادي الحديث للبشرية الكثير من الأشياء، التوسع والرفاه والتغلب على المجاعات والرعاية الصحية بشكل لم يسبق له مثيل. العالم لم يبلغ اليوتوبيا بعد، ولا نظنه سيبلغها، لكن لماذا نسعى في الأساس لليوتوبيا؟ يبدو هذا السؤال جانبيًا لكنه وثيق الصلة بما قبله.
لماذا نسعى لليوتوييا؟ ببساطة لأننا جميعاً نودُ أن نكون أسعد حالاً، نود أن نستريح لوقت أطول من عناء العمل، أن نتوفر على وسائل مادية تساعدنا على التواصل مع بعضنا البعض بطريقة أفضل، ونود عندما نكبر أن نحيا شيخوخة أوفر صحة وأكثر هدوءً، ومن هنا يأتي مفهوم التقدم، اليوتوبيا ليست إلا ذريعة للتقدم.
لكن هذا النوع من التقدم هو كل ما يحتاجه الواحد فينا؟

الإجابة التي يرددها بعض البشر على ذلك السؤال هي: لا. أريد إلى جانب ذلك أن أعيش بسلام وود مع أهلي وأصدقائي، لا أود ألا يخونني أصدقائي أو شريك عمري، وأود أن أحصل على محبة الناس بدلاً من الحصول على احتقارهم أو كراهيتهم أو أحقادهم المبالغ فيها.

من المؤكد كذلك أن هناك أناس لديهم أجندة مختلفة، أناس يرون –على سبيل المثال- أن الحصول على كراهية الناس أفضل عملياً من الحصول على محبتهم، إذا لم تكن من بين هؤلاء فربما تكون (أجمل) مكاناً مناسباً لك.
إذا كنت ترى أن مشاعرك وأفكارك وسلوكك واستمتاعك بالحياة أو جزعك منها لا يمكن أن يخضع بالكامل للحلول العملية والعطايا المادية؛ فهنا مكانٌ مناسب. لا نود أن نغفل كذلك الجماعة الثالثة من الناس، من الذين لم يبلغوا حتى المنافع المادية للعصر الحديث، أو على الأقل يحصلون على الفتات منها، أليس هذا هو النمط السائد في شعوب ما بعد الاستعمار كشعوبنا؟ كيف نطالب هؤلاء الناس بشغل أنفسهم بأمور قد يعتبرونها رفاهية؟ لكننا لا نطالب أحد بأي شيء، إذا كانت أجمل ستقدم أي شيء فلن يكون على سبيل المطالبة أبدًا، بل على سبيل مساعدة الآخر، ومساعدة أنفسنا بالتأكيد.

لا شك أن الكثيرين يرون كما نرى أن هدوء الإنسان النفسي وسلامه مع نفسه ومع أهله وأصدقائه وزملائه في العمل ليس مجرد رفاهية حمقاء، يرون أن فحص الإنسان للمحيطين به أن فهم الآليات التي تحكم مشاعرهم وسلوكهم ليست أمورًا مجانية. كم من المخاطر يُحتمل أن تحيق بك من الآخرين؟ ربما تسهم تلك المعرفة في تفاديها؟ يبدو أن الأمر يثمر عن جوانب عملية لا تقل أهمية عن التي يقدمها العلم المادي، لكن اهتمامنا كفريق أجمل لن يركز على فهم الظروف والملابسات التي تجعل الإنسان أنجح عملياً، بل سينصب على تفسير الإنسان بما هو عليه كإنسان، وهذه الأخيرة ربما تفي وحدها بالغرض كله.

من هنا من منطقة التفسير تلك يستطيع الشخص الواحد أن يكون أكثر نجاحاً وأقل سعادة، أو أكثر نجاحاً وأكثر سعادة في الوقت نفسه. بالطبع، لا يمكننا أن نطالب مواطناً من عالم ما بعد الاستعمار أن يحصل على النجاحات التي سيحصل عليها مواطنٌ في أوروبا، وكذلك لا يمكننا أن نطالب إنسان العصر الحديث أن يحصل لنفسه على سلامٍ نفسي بالمقدار الذي يتمتع به رجلٌ في قبيلة بدائية.
كل ما في الأمر أننا نساوم لتحسين شروط التعاسة التقليل من حدة الصراع أو أثره، نساومُ للحصول على عالمٍ إنساني أكثر انسجاماً (لا الأكثر انسجاماً)؛ فنحن نعرف أن العالم المنسجم تماماً ليس موجوداً على الإطلاق ولن يتواجد كذلك، ولا نطلب أن تتواجد مثل هذه اليوتوبيا كونها ستصبح مملة للغاية، لكن ألا ترى معي أن السعي للأكثر يؤهلنا في الكثير من الأحيان لأن نحصل على الكثير، ربما يرى البعض أن في الأمر مثاليات فارغة، فإن كنت من المؤمنين ببعض تلك المثاليات الفارغة ستكون (أجمل) مكانك أيضاً.

إذا كنت من المؤمنين ببعض تلك المثاليات (الفارغة) ستتفق معي أن لفظة (أجمل) قريبة للعقل والقلب من كلمة (أكثر).
فضلاً عن كون هذه الأمور التي نتشارك الإيمان بها لا هي مثاليات ولا هي فارغة نجد أن كل البشر لا يختلفون على قيمة الجمال، يبدو أنهم يختلفون حول ما هي الأشياء الجميلة، حول ما هو الجمال، لكنهم يتفقون على قيمته، ونحن في (أجمل) على يقين أن هناك عدداً غير قليل من الناس يتفقون معنا على نفس القيم الجمالية، لكن ما علاقة ذلك بفن تفسير الإنسان؟ أرجو أن نعلِّق هذا السؤال قليلاً.

لقد اعتدنا على أن يكون تفسير الإنسان خاضعاً بشكلٍ تام لما نسميه بالقضايا العقلية، على التفسير أن يكون علماً دقيقاً أو على أقل تقدير ستتدخل الفلسفة للمساعدة عليه، أليس كذلك؟
لكن وللغرابة، لا تدَّعي أدوات التفسير التي بين يدي الإنسان القدرة الدقيقة على تفسير الإنسان، حتى في أشد تسمياتها تبشيراً بالدقة (العلوم الإنسانية).
يبدو أن كل ما يندرج تحت مظلة (العلم) يبشر بالدقة واليقينية، إلا أن علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا لا تدعي تلك اليقينية أبداً، هنالك دائماً هامشٌ للخطأ، يضيق ويتسع طبقاً لقدرة المنهج المستخدم في الاستقصاء، وبالتأكيد هنالك مناهجٌ عدة ونظريات عدة، هنالك تعارض بين النظريات المؤسسة لتلك العلوم على سبيل المثال. المدرسة السلوكية في علم النفس ترتكز على رؤية للإنسان تختلف إلى حد التعارض عن بعض علوم الأعصاب ومثلاً عما يسمى بالجينات السلوكية.
مازلنا كبشر نتخبط في مساحة اللا يقين حول أهم ما يهمنا، أي معرفة الإنسان، لكن ألا تتفق معي أن (مساحة من اللايقين) أفضل حالاً من (مساحة لا يقينية أخرى)، ها نحن نساومُ كبشر لمرة ثانية كي نحصل على معرفة أفضل، لايقينية أقل، ونحن نعترف بأنه لا سبيل للمعرفة التامة، لابد أن نكون على وعي بأن بعض المعرفة خيرٌ من اللا معرفة، أليس كذلك؟
لحسن الحظ، لقد نجحت العلوم الإنسانية في تضييق مساحة اللايقين هذه، وبشكلٍ لم يحدث من قبل في تاريخ الإنسان.

لماذا فن؟

من الواضح أن العلم نفسه ينطوي على شكلٍ من أشكال الفن، فالمناهج الصارمة والمنطق الرياضي والملاحظة الحيادية للواقع ليست إلا أدوات ضبط، ولم تحدث الثورات العلمية والاكتشافات الساحرة إلا كشكلٍ من أشكال الإبداع الفني تدخلت أدوات الضبط لتحجمها وتحميها من الشطط بعيداً عن الواقع.
أكثر النظريات العلمية المغرقة في التدقيق والضبط تبدو للوهلة الأولى كنظريات جمالية، نظريتا النسبية الخاصة والنسبية العامة على سبيل المثال، حتى أن الفيزيائيين يميلون الآن أكثر من أي وقت مضى لصياغة نظريات رياضية فيها من الجمال على ما فيها من الضبط، نظريتا الأوتار والأكوان المتوازية على سبيل المثال. هنالك ملحوظة جانبية على ذكر (الأكوان المتوازية)؛ فعلى الرغم من أن تلك الأخيرة لا يمكن اعتمادها كعلم حتى الآن، إلا أنها فتحت أفقاً جديداً للعقل البشري، ونحنُ نعيش على تلك التطلعات التي تبدو مستحيلة في باديء الأمر، مستحيلة لكنها كاشفة وجميلة.

الفلسفة هي الأخرى تبدو فناً في جانبٍ من جوانبها، ذلك على الرغم من كونها –أي الفلسفة- الجهة المنوط بها وضع أدوات الضبط لكلٍ من العلوم المادية والإنسانية، فكما نعرف أن كل علم يحتكم في النهاية إلى ما نسميه بنظرية المعرفة الخاصة بذلك العلم، ونعلم أيضاً أن نظريات المعرفة برمتها ليست إلا حقلاً من حقول الفلسفة، إلا أنه لا توجد نظرية معرفة واحدة أو نظرية وجود أو أخلاق أو جمال تم إنتاجها في غياب هذا الحس الفني، بدون هذا الميل الأصيل للإبداع الذي حرك الفلاسفة، ذلك على امتداد تاريخ الحكمة (صوفي).
غير أن الفلسفة لم تكتفِ بضبط العلوم ومناهجها، بل ذهبت إلى حقول لا يجدي العلم اليقيني فيها نفعاً كالأخلاق والجمال. يشغل الحديث عن الأخلاق والتفضيلات الجمالية ما يقارب نصف كلام البشر للبشر، وعلى الرغم من تسلحها –أي الفلسفة- بأدوات المنطق الصارمة والتي تبدو بالمناسبة ثقيلة وسخيفة بالنسبة للكثيرين، إلا أنها امتازت كذلك بروح الخفة التي يمتاز بها الفن.
بروح الخفة تلك، شككت الفلسفة حتى في جذورها في أبيها الشرعي (المنطق نفسه)، وسألت: (ما هو المنطق وما جدواه أصلاً؟) وعلى الرغم مما يبدو في تلك الشكوك من شطط ومما يبدو فيها من جنون الفنانين، إلا أنها -مساءلة الجذور والأصول- لم تذهب مع الريح، فقد أسهمت لحسن الحظ في إعادة ضبط المنطق نفسه، وإذا كانت علاقة كلٍ من الفلسفة والعلم بالفن تظهر حتى الآن على سبيل المجاز، إلا أن هناك أمر آخر أكثر وضوحاً من غموض المجازات.

الفن هو أداة أخرى من أدوات تفسير الإنسان، ربما نحتاج هنا أن نتذكر القصة المعروفة عن تأثر فرويد بروايات ديستوفسكي، لكن تاريخ الفن والعلوم الإنسانية يكشف ما هو أبعد من ذلك، لقد سبق خيال الشعراء علماء النفس بزمن في تفسير الإنسان وعالمه الشعوري المختفي عن الأنظار، كما سبق الروائيون علماء الاجتماع في تفسير الصلات الاجتماعية، لقد سبقت لوحات مايكل أنجلو وتماثيله العلم الإنساني في فضح مشاعر معقدة ظلت تعذب البشر وتشوش عليهم دون أن يفهموها.
لا غرابة في ذلك؛ فبما أن الإنسان محكوم لا محالة بما نسميه اللاوعي؛ فإن الفن هو أكثر ما ينتجه الإنسان اتصالاً بلا وعيه، وهو –أي الفن- يكشف ويفسر الإنسان لا بهدف الكشف والتفسير، لكن ما يحدث بالضبط هو أن اللاوعي حين يتحدث من خلال الفن فإنه يفضح نفسه ويكشف عن ذاته.

هكذا تصبح الصلات ممدودة والطرق تعمل على الجانبين بالنسبة لكلٍ من الفن والفلسفة، لا غنى لأحدهما عن الآخر، وإذا كانت المدن الثلاث (الفلسفة العلوم الإنسانية الفن) تتصل كلٌ منهما بالأخرى بطرق متعددة، فإن (أجمل) تهتم بواحد فقط من بين تلك الطرق، واحدة فقط من تلك الصلات وهي قدرتهم جميعاً على تفسير الإنسان.
تفسيرالإنسان بطرق ودرجات متنوعة من الدقة.

يبدو أن اسم (أجمل) قد أصبح أكثر وضوحاً الآن، فهذا الخيط الرفيع الذي يربط بين أدوات تفسير الإنسان هو الخيال الإنساني، الخيال القادر على الكشف والفضح بطرق متعددة، وأيضاً بدرجات تدقيق وضبط مختلفة، وهو جميل على اختلاف شروط حبسه أو إطلاقه للفضاء، جميل على ما يكشف من البؤس والسعادة، الصراع والانسجام. الجمال اسم مناسب للمتن، للمحتوى، وهو اسم مناسب للهدف أيضاً، نحن موجودون هنا ككتاب وقراء طلباً للأجمل، لوضعٍ إنساني أجمل لكل فرد.

لكننا بالطبع لسنا المكان الوحيد الذي يقدم للناس تلك الخدمة، لسنا البشر الوحيدين الذين يحاولون فتح كوة في الجدار.

لسنا مكاناً لتقديم الاستشارات الطبية أو المشورات النفسية، ولسنا رجال دين أو رجال سياسة، لسنا حركة اجتماعية أو حزب سياسي، كما أننا لسنا بالتأكيد مدربي تنمية بشرية أو خبراء أبراج -وإن كانت كل تلك المؤسسات تحاول تفسير الإنسان وتطرح نفسها كطرق للسعادة والانسجام. علينا كذلك أن نبدي بعض الاحترام للآخرين؛ فهولاء جميعاً هم رفاقنا في الهدف.
نحن مختلفون في الطرق ليس إلا. بالتأكيد لن نقدم للناس مشورات حول طرق النجاح الآمن كما يفعل مدربو التنمية البشرية، ولن نتنبأ للقاريء بالمستقبل كما يفعل خبراء الأبراج، لكننا سنحاول تفسير الإنسان بأكثر الطرق موثوقية وإبداعاً، وبالتأكيد لن نقدم معرفة تامة، فلا وجود لمثل هذا النوع من المعرفة كما اتفقنا من قبل، لكننا سنحاول الاقتراب من حقيقة هذا الكائن الإنساني قدر المستطاع.

من تلك المعرفة ربما تصبح لدى القاريء والكتاب على حدٍ سواء القدرة على إصابة الهدف، هنالك رحلة ينبغي أن يخوضها الإنسان مع نفسه لمعرفة نفسه، ومع الآخرين لفهم الآخرين، ونحن لا نقدم هنا إلا دليلاً إرشادياً لتلك الرحلة، الدليل طويل وصعب كطول وصعوبة الرحلة، لكنه جميلٌ أيضاً بجمال الرحلة ومتعتها.

أخيراً: يبدو أننا سنحرم القاريء خلال الوقت الذي سيقضيه بأجمل من بعض المتع، كمتعة قراءة الأخبار السياسية والتعليقات السياسية، ومن بعض القراءات المهمة كتفسير النصوص المقدسة، وعلى الرغم من أهمية تلك الموضوعات لكننا نفضل أن نتركها لرجالها. نحن نستهدف في النهاية قارئاً يحبُ أن يقضي وقتاً ممتعاً على أجمل باعتباره بيت، ويحب كذلك أن يتجول في العالم يرى هنا وهناك، لابد أن هناك أماكن كثيرة تقدم أشياء أخرى مهمة لا نقدمها، ولابد أن اجتراح التجارب في العالم لا يقل أهمية عن التفسير، ولا يعمل أحدهما دون مساندة من ذراع الآخر.

لا يتوقف فريق أجمل عند هذا العدد من الباحثين والكتاب والمفكرين الذين أسسوه، كل عالم أو فنان أو فيلسوف سبقنا إلى الحياة هو أب لنا، الآباء والأساتذة والشباب الذين يتنفسون الآن ويملؤن عوالمهم بالحياة هم شركاء لنا، وبالتأكيد كل من شارك أو سيشارك فعلياً بالنشر في هذا المكان فهو عضو مؤسس بهذا البيت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: