أشباح ديستويفسكي

رومان ستروك, جامعة كالجاري

ترجمة : أجمل

أود أن أقتبس من رسالة كتبها كافكا رداً على صديق: إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا كمطرقة على الجمجمة فلماذا نقرأه؟! لأنه يجعلنا سعداء كما تقول! سنكون سعداء حتى لو لم يكن لدينا كتب

من المؤكد أن معرض شخصيات ديستويفسكي يتضمن أشخاص مثل بطل رواية “ملاحظات من تحت الأرض” الذي يبدو غير صالح للتعامل مع الحياة، ومع ذلك حتى أمثال هؤلاء لدى ديستويفسكي قادرون على تشييد الأحلام اللحظية المؤقتة، كأبنية من البلور، ذلك لعقد الأمل والتخفيف من عذاب استجواب النفس والشك الذاتي. بينما كافكا ينكر على شخصياته حتى ترف هذه الأحلام المؤقتة. فكما هو  في خصومة مع  وضعه الخاص كذلك نجد شخصياته أيضاً، يعانون دوار البحر على اليابسة.

يفحص ديستويفسكي الإنسان بوضعه في حالته القصوى، فيدرس غولجادكين من خلال البارانويا والفصام، ويبحث عن هوية راسكولينكوف من خلال وضعه الإلزامي بصدد جريمة يستحق لأجلها الإعدام، وهكذا في ملاحقة دوستويفسكي للإنْساني في الإنسان يلجأ للعديد من الآليات ومنها مواجهة البطل بقرينه أو بصورته المزدوجة الأدنى(*)، وهكذا فإنه ينتقل من علاقة بسيطة نسبيا إلى ثنائية مركبة وصولاً لَتقابلات لامتناهية  أكثر تعقيداً وتشابكاً، راسكولنيكوف-  سفيدريغافلوف سونيا. ميشكين و روغوزين، إيفان كارامازوف وقرينه الأدنى سمردّياكوف الذي لا يعدو أكثر من شيطان رث.

تؤدي دراسة كلا النصين إلى استنتاج لا يقبل الجدل، مفاده أن كافكا استعان بأجزاء من رواية الشبيه لديستويفسكي في كتابة قصته

استخدم كافكا كذلك تقنية الازدواج بما لا يختلف عن تلك المتبعة لدى الروس، ظهور الحشرة في “المسخ ” لكافكا سمح له بالكشف عن الجوانب الخفية لدى شخصية غريغور سامسا، فَببساطة من خلال الحشرة استطاع أن يبرز درامية الحياة المجهولة و السرية لبطل الرواية. كذلك في “المحاكمة/ القضية ” تظهر رغبة البطل -إن لم يكن حماسه – لتنفيذ حكم الإعدام بوالده،  لا يمكن أن يتم استيعاب ذلك بصورة أفضل إلا من خلال الدور الذي لعبه  قرينه المقابل، الصديق المتهرب بسانت بطرسبرج، و الحالتان اللتان أشير إليهما ليست بأي حال حالات إستثنائية غير منفصلة بحال من الأحوال.

التَشابه الأكثر لفتاً للانتباه في إستخدام تقنية الازدواج يظهر في رواية ” المسخ “عند كافكا مقارنةَ برواية “الشبيه ” لديستويفسكي، فقد تبين أن مفتتح كلا العملين متشابه تماماً، كل من غولجا دكين وسامسا يستيقظ من أحلام مزعجة، وكلاهما يقاوم الانخراط في واقع حياتهما اليومية الرتيب، كلاهما  يخلط بين الحلم والواقع، وكلاهما يحاول الانسحاب من المُضي في الحياة .

تؤدي دراسة كلا النصين إلى إستنتاج لا يقبل الجدل، مفاده أن كافكا استعان بأجزاء من رواية الشبيه لديستويفسكي في كتابة قصته . بما في ذلك بناء القصة نفسه الذي يدعم هذا الاستخلاص. ينتهى السرد فيهما بكارثة مأساوية : في رواية”الشبيه ” تقام  محفلة ايفانوفيتش، وفي المسخ الحفلة التى تستضيف فيها الأسرة ثلاث أفراد لتناول الطعام , هذه الأحداث في كلا العملين بمثابة نتيجة مأساوية لِوضع كلا البطلين .

بالانتقال إلى الجوانب الشكلية لكتابة كافكا، نلاحظ أن واحدة من الحيل التى يستخدمها هي إعادة تفعيل الاستعارة كأداة، و ما تبلغه من قدرة على تحويل الإعتيادي و المطنب إلى مركب مبتكر، على سبيل المثال , العبارة الألمانية ” جئنا الحياة لنتعلم باللحم الحي”، تعاود الظهور في قصة “في مستعمرة العقاب” عندما لا يتم إخطار المجرم المحكوم عليه بالإعدام بعقوبته و يتم وشمه على ظهره بالإبر. أيضاً  “الحياة تحت وطأة مراقبة الجميع ” هو تعبير مجازي عن فقدان الخصوصية  يظهر في “القلعة “بينما ” ك ” يضاجع فريدا على مرأى الفلاحين القرويين من حولهما، هؤلاء بدورهم يمررون  التعليقات بلا توقف.

“أنا رجل أم قملة!” أو في “كثير من الأحيان حاولت أن أصبح حشرة”، يمكن القول أن كافكا قام بتحويل استعاري متطرف لحشرة ديستويفسكي بحيث جعلها واقعية أكثر منها استعارة لغوية


فيما يتعلق بديستويفسكي، لوحظ أنه معني بإستخدام استعارات “الحشرات ” للتأكيد على البغيض والقبيح والفاسد أخلاقياً. ليس إستثناءً وجود تعابير مثل “أنا رجل أم قملة!” أو في “كثير من الأحيان حاولت أن أصبح حشرة”، يمكن القول أن كافكا قام بتحويل استعاري متطرف لحشرة دوستويفسكي بحيث جعلها واقعية أكثر منها استعارة لغوية , ففي رواية المسخ لكافكا كتعبير رمزي يبدو كما لو أنه يقول  ” أنا حشرة “، بحيث تصبح استعارة دوستويفسكي هي واقع كافكا.


منذ إعادة نشر كتاب باختين أصبح من المستحيل الحديث عن تقنيات السرد عند ديستويفسكي دون الرجوع إليه. واحدة من هذه الأفكار وأكثرها شيوعاً مؤخراً بخصوص الدراسات الخاصة بِكافكا جاءت بطرح مفاده أن السرد لدى كافكا مزيف، حيث أنها قصص أو روايات بصيغة الغائب فضلاً عن أحادية وجهة النظر، وهذا غير متعلق بكون الرواي واقعي أو متخيل ولكن في المجمل وجهة النظر المقدمة في العمل متطابقة تماماً مع موقف الشخصية، كل مايقدم داخل واقع السرد يتم تداوله وإنجازه بشكل حصري داخل وعي البطل وذلك على الرغم من تقديمه بطريقة تقليدية من خلال إستخدام  صيغة الغائب.


على الرغم من أنني لست مقتنعاً تماماً بِباختين، أرى أن ديستويفسكي كثيراً ما يسمح لشخصياته بالانخراطِ في مونولوج داخلي دون أن يجعل ذلك واضحاً تماماً للقارئ وهكذا فإن ديستويفسكي خلق تصورات عن العالم الخارجي والشخصيات، دون أن يوضح أن هذه التصورات نابعة من وعي شخصية واحدة، كما أنه لا يعمل على تصحيح مثل هذه الانطباعات في النص بل يدعها كما هي. هذا الخلق وفقاً لباختين هو نوع من “الانفتاح” الذي يسمح بمشاركة المتلقي ويُبقى بشكل كبير أموراً غير منتهية وغير محسومة.

لو قبلنا هذا الرأي؛ سنجد أن كافكا يكتب من واقع الشخصية وعزلتها بنظرة أحادية يتوحد فيها واقع الشخصية النفسي مع واقعها الخارجي، هذه الكتابة تُظهر تشابها بارزاً نوعاً ما مع ديستويفسكي.

أود أن أمضي بهذه التكهنات أبعد قليلاً، على الرغم من أن الجزء الأول من “ملاحظات من تحت الأرض” هو من الناحية الفنية مونولوج، يدعي باختين أن تفرد البطل المضاد يهب القدرة لمحاورة مستويات أخرى من الوعي، لهذا الغرض إنما يخلق شخصيات مماثلة، كشخصية فاعلة أو رومانسية مثالية ومعها يدير هذه الشخصية ليجعلها ذاتية أو بالأحري ذهنية تحتفظ باستقلاليتها النفسية والفكرية، والنتيجة كما يرى باختين لاتمثل قرارا جدلياً ولكنها تعدد صوتي لصيغِ أفعالٍ غير محسومة .

بملاحظة كل من الأبنية التقنية والمواضيع على حدٍ سواء يمكن أن يكون مثمراً مقارنة القصة القصيرة القاتمة لكافكا  “الملجأ ” حيث هناك حيوان مجهول الهوية نفى نفسه طواعيةً تحت الأرض ويصف معاناته في تشييد ملجأ آمن كذلك في مونولوج من أربعين صفحة .

مونولوجهُ ذاك على خلاف “ملاحظات من تحت الأرض ” يبقى من الناحية التقنية والحرفية أحادي الصوت نابع من وعي أحادى. إنها صرخة من الخوف والعزلة التامة، هو لا يدخل في أي اتصال حتى مع العالم المتخيل أو مع الجمهور، لذلك إذا كان بطل رواية “ملاحظات من تحت الأرض” يعيش في عزلة، فأن أبطال كافكا معزولون عزلة مطلقة، ليس هنالك حوار أو وعي آخر، ليس هنالك عالم آخر خارج المعاناة  والخوف الداخليين. وبالتالي نهاية القصة ليست سيمفونية ولا تعدد أصوات ولكن أحادية كاملة.

في أوائل الأربعينيات، و بحسن نية خالصة ولكن بشيء من السذاجة أيضاً قام واحد من المناصرين لكافكا بمنحه لقب شرفي هو “ديستوفسكي الغرب”، على الرغم من وجود تقارب كبير وعدد من أوجه التشابه المحددة التى تظهر تأثر لا لبس فيه، إلا أن هذا الادعاء يظهر سوء فهم لكلا المؤلفين.

منظور كافكا للعالم داخل الكتابة يكون عبر ثقب باب، كماهو الحال، يظهر للقارئ مغامرات وعي مجهول معزول تماماً عن الأخرين كنوع من الأحادية. وعلى الرغم من أن ديستويفسكي لديه مثل هذه الشخصيات في مرجعيته، لكنها لم تكن أبداً معزولة مثل شخصيات كافكا؛ فدوستويفسكي قدم أبعاداً عديدة للحالة الإنسانية بلا استثناء. إن الأبعاد الاجتماعية والسياسية والتاريخية و الميتافيزيقية والدينية لوجود الإنسان واضحة في علمه الأنثروبولوجي.

منظور كافكا للعالم داخل الكتابة يكون عبر ثقب باب، يظهر للقارئ مغامرات وعي مجهول معزول تماماً عن الأخرين كنوع من الأحادية، وعلى الرغم من أن ديستويفسكي لديه مثل هذه الشخصيات في مرجعيته، لكنها لم تكن أبداً معزولة مثل شخصيات كافكا


عالم دوستويفسكي ثري بلا حدود أكثر من كافكا. هذا ليس حكماً، هذا تقرير حال من السهل تقديم أسبابه التاريخية، رجل القرن العشرين هو بالتأكيد أكثر غرابة من أسلافه في التاسع عشر، لم تشكل  ذهنية ديستويفسكي إضطرابات هوس الأحادية والعزلة، التي هي جوهر النسيج المجتمعي للقرن العشرين، أولئك الذين كانوا ولايزالون يختبئون في سراديب  تحت الأرض، لدى كافكا أصبح الإنسان المضطرب أقل استثناءاً وأكثر شيوعاُ، أنماط “ك” كافكا هي بمثابة معارفنا المشتركين .

 هل يمكننا اختصار التقارب بين دوستويفسكي وكافكا في عبارة واحدة سديدة! بالكاد يمكننا ذلك، معظم النقاط التي حاولت أن أركز فيها على بعض التشابه مؤكدة، و في عدد من الحالات مديونية كافكا لا لبس فيها، ولكن إذا كان ذلك من قِبل التورط فقط ، فقد حاولت أن أشير إلى الاختلافات الأساسية بدلاً من ذلك.

وفي الختام، أود أن أقتبس من رسالة كتبها كافكا رداً على صديق: إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا كمطرقة على الجمجمة فلماذا نقرأه؟! لأنه يجعلنا سعداء كما تقول! سنكون سعداء حتى لو لم يكن لدينا كتب، ومثل هذه الكتب التى تجعلنا سعداء يمكننا أن نكتبها لأنفسنا إذا لزم الأمر، لكن مانحتاجه هو الكتب التي تؤثر علينا كمصائر بالية مسببةً الألم مثل وفاة شخص كنا نحبه أكثر من أنفسنا. كنفي في غابة بعيدة عن جميع البشر، مثل الانتحار، يجب أن يكون الكتاب فأساً لتهشيم البحر المتجمد فينا، هذا ما أعتقد .

وقد خلق كل من ديستويفسكي وكافكا مثل هذه الكتب، كلاهما يمتلك المواهب القاسية والرؤية الصارمة اللازمة لكتابتها. هذه على ما أعتقد هي الخلفية التي يتوجب أن ننظر بها إلى علاقة كافكا مع ديستويفسكي: تشابهٌ روحي.

_______________

* الشخصية تقع في مقابلة صورتها الأدنى والتى من خلالها تتهشم متعددة الأبعاد 

الجزء الأول من الملف: بين كافكا وديستوفسكي قرابة دم!

رأيان على “أشباح ديستويفسكي

  1. جميل هذا المقال، وفيه قدرة عالية على التشخيص النقدي لعوالم دستويفسكي وكافكا ، ولو أنه يحتاج الى ” مقارناتٍ أكثر ” بين شخصيات كلا الكاتبين ، وربما في بعض الكتابات حول الموضوع أو فصوله .

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: