لاجيتيه

ما هي السنيما؟

لاجيتيه: كيف يولد السينمائي خارج تقنيات السينما!

(تأمل في ماهية السينما)

عادة مايجري العمل في السينيما ضمن شروط صعبة وغير مواتية، ولعله في جانب من شروط العمل الإبداعي بالمجمل والسينما بشكل خاص تأتي القدرة على إنتاج الحلول داخل شروط النوع الفني كأهم رهان، في عام 1962 وفي ظروف إنتاجية محدودة ومكبلة، يقوم المخرج والكاتب والمصّور الفرنسي كريس ماركر(Chris Marker(1921 – 2012 بتقديم أيقونة سينمائية فريدة ( الميناء-la jetee). الفيلم مصنوع بشكل كامل بالفوتوغرافيا فيما عدا لقطة وحيدة قصيرة متحركة مأخوذة بكاميرا 35 مم.

“في ثماني وعشرين دقيقة هي مدة الفيلم الذي يدور حول السفر في الزمن، بل ويعد مرجعاً للعديد من الأفلام التي تناولت موضوع السفر عبر الزمن، يقدم ماركر مراهنة خطرة وتحدي كبير”


في ثماني وعشرين دقيقة هي مدة الفيلم الذي يدور حول السفر في الزمن، بل ويعد مرجعاً للعديد من الأفلام التي تناولت موضوع السفر عبر الزمن، يقدم ماركر مراهنة خطرة وتحدي كبير لا للجهات الإنتاجية التى رفضت إنتاج الفيلم بإعتباره مخاطرة مكلفة، إنما أيضا في مواجهته لشروط النوع من خلال ذهابه لإنتاج الفيلم عبر الفوتوغرافيا كنوع من الحل لتخفيض تكلفة الإنتاج، وهو مايكلف ماركر ضرورة الإجابة -ضمن فيلمه- عن سؤالي ماهي السينما ؟! ماهي الفوتوغرافيا؟!

يستجوب ماركر نظام معرفي بأكمله؛ بدءً من ماهية السينيما وماهية الفوتوغرافيا وصولاً إلى متوالية من المفاهيم التى تبدو مستقرة من الوهلة الأولى ومُعرفة بشكل تام، مثل الزمن، الحركة، السكون؛ فهذه المفاهيم التي نتعامل معها بشكل يومي و لحظي بنوع من الإعتياد والخمول، الاعتياد الذي يفض غرابتها الأولى مما يجعلها مناطق إستقرار معرفي، يعيدها كريس ماركر إلى مجال الغرابة الأول/ اللامعرفة لنتأملها من جديد خارج نظام معرفتنا بها، ونعيد مساءلتها ومساءلة الذات الفردية والإجتماعية معها، بل يمكن ان نقول أن الفيلم مبني على مفارقة المعرفة نفسها..


الفيلم الذي يدور حول رجل يتم أختياره للقيام برحلة عبر الزمن، ليسافر إلى المستقبل كي يجرى تفاوضاً هناك لإنقاذ العالم المدمر بعد حرب عالمية ثالثة؛ لوثت الأرض بالإشعاع، ويتم اختياره نظراً لقدرته على الإحتفاظ بصورة راسخة من ماضيه مما يعنى قدرته على السفر في الزمن- بالنسبة لمنطق الفيلم. عبر شاعرية متناهية يستطيع الفيلم الانتقال من أرض المعرفة التامة إلى اللامعرفة.

يمكن ان نقول أن الفيلم مبني على مفارقة المعرفة نفسها

يقدم الفيلم ذاته بجملة أفتتاحية تلخيصية خادعة “هذه قصة رجل موسوم بصورة من طفولته” علنا لا ننسي هذه الجملة أبداً، لأنها ستظل دليل على خدعة المعرفة، ففي اللحظة التى يبدأ فيها الفيلم بتعريف نفسه تعريف تام موجز وكأنه يخبرنا بكل شيء ويجعلنا نتضامن مع صوت الراوي العليم، ونتوهم هذا القدر المغرور من المعرفة. بالعودة للماضي مع البطل الذي يرى كل ما في الماضي حقيقي وجميل وكأنه يعرفه وكأننا نعرف هذا الماضي أيضاً، ثم يمضي بنا المخرج ليقلب الصورة رأساً على عقب فالصورة الساحرة من الماضي/ الذاكرة لطفولة هذا الرجل، الصورة التى حاصرت مخيلته هي صورة موته.

رغم أن الفيلم مصنوع بالفوتوغرافيا لأسباب إنتاجية بحتة، حيث لم تكن الفوتوغرافيا الخيار الجمالى الأول للمخرج منذ البداية، ورغم أن ماركر صنفه “رواية مصورة” إلا أن هذه المعطيات لا تعد ذات أهمية الآن و ربما لم تكن في أي وقت! بل إنها ليست إلا شرك يعرقل التفاعل مع الفيلم، التفاعل معه باعتباره حلقة هامة في تاريخ السينما وفي تكوين الوعي السينمائي.

في نظرة أشمل نجد أنه لم يعد يتوقف عند هذه الحدود التعريفية البسيطة للنوع، بحيث يذهب الفيلم بطريقة ما لمنقاشة السينما في صلب معرفتنا بها كنوع، النوع المتمثل في (الزمن /الحركة )، إن استخدام السفر في الزمن كموضوع واستخدام الفوتوغرافيا كتقنية ليست إلا ذرائع لأنشاء مايمكن أن نسميه المجال الفيلمي الذي يسمح بإستكشاف معادلات جديدة لحقيقة المعرفة الجمالية.

فيلمية الفيلم:

إن استخدام السفر في الزمن كموضوع واستخدام الفوتوغرافيا كتقنية ليست إلا ذرائع لإنشاء مايمكن أن نسميه “المجال الفيلمي” الذي يسمح بإستكشاف معادلات جديدة لحقيقة المعرفة الجمالية.

يقدم لنا ماركر العالم حيث الذاكرة، حيث الفوتوغرافيا، فيمد الجسور بين العالم والذاكرة والفوتوغرافيا.

لايملك الإنسان إلا ماضيه، هذا الوجود التام المنقوش في الزمن المنصرم المنقطع الصلة بالحياة والموت، اللحظة الحرجة بين الحياة والموت هي الذاكرة/الصورة، الذاكرة كمجموعة من الصور المنفصلة التي بقيت في المخيلة، وبقدر ما أثرت جمالياً بقدر ما احتوت على الأضاد جميعها حاضرة معا (الألم/الانبساط ـ الحزن/الفرح ـالحياة/الموت ـالخير/الشر ـالقبيح/الجميل) بحيث تتراكم بقدر ماتتبدد، وتبني بقدر ما تنهدم، وتوجد بقدر لا وجودها.

هذه هي شاعرية الذاكرة. الصورة “اللقطة” كتمثُّل فوتوغرافي دليلاً ماثلاً على تجربة الحياة عبر الزمن، حيث إمكانية فحصه أبداً عبرها، إن الصورة هي تجسيد للزمن يدعي الموضوعية، لتأتي الصورة شاهداً أبدياً على الحياة في مكان ما ولحظة ما أو بتعبير آخر (تعبيراً عن “الآنية”) فالصورة هي تثبيت للآنية بل إنها التعبير الوحيد المطلق عنها، فلاتوجد آنية إلا عبر الصورة، الحياة تتحول إلى ذاكرة باستمرار وفي ديمومة أبدية بمايفض واقعياً مفهوم الآنية باعتبارها لحظة متبددة بطبيعتها.

الحياة تتحول إلى ذاكرة (صورة..) باستمرار وفي ديمومة أبدية بمايفض واقعياً مفهوم الآنية باعتبارها لحظة متبددة بطبيعتها

إن الوضوح الغائم في الذاكرة بكل ماتحويه من يقين لا يُقبض عليه ولايمكن إثباته، هو نفسه جوهر الصورة، يقين لا يعطي الحقيقة ولكنه يوهم بها دائماً، يوهم بوجود حقيقة مبعثها أنها تجسيد لحدث وقع بالفعل في مكان وزمان متعينين.

هذه المقاربة الأخيرة بين الصورة الذهنية والصورة الفوتوغرافية هي المقاربة الرئيسية التي راهن عليها الفيلم، فمشهد الميناء الجوي والذي يبدو تام من اللحظة الأولى ونعرفه معرفة كاملة ليس إلا سوء فهم / وهم محبب على غرار أوهام الذاكرة، لأن البطل لم يكن يدرك أنه القتيل في هذا المشهد، وبهذا يفكك الفيلم نظام المعرفة الذهنية الذاتية “الذاكرة” عبر استمرار تحورها وفاعليتها داخل المستقبل من جانب، ومن جانب أخر بالطريقة التى يتفكك بها الكادر داخل المنظومة الفيلمية الفوتوغرافية؛ فيبدأ الفيلم باستدعاء مشهد المطار من ذاكرة البطل ويعيد بناءه وتشريحه بما يهدمه، وكأن الكادر المتناهي الحضور بما فيه من كثافة للون والضوء والظل والكتلة، الكادر الذي يعلن عن نفسه كجثة ماثلة للتشريح أمام العيان، يخبرنا بكل شيء ولايخبرنا بشيء، وبذلك يتحرك الفيلم لمستوى مضاد لعمل الصورة الفوتوغرافية نفسها؛ فالصورة الفوتوغرافية تبنى مجال دلالي محدود وتام بينما الفيلم يبني أفق دلالي دينامي ومجال أوسع ينتجه تفاعل الكادرات.

الصورة الفوتوغرافية تبنى مجال دلالي محدود وتام بينما الفيلم يبني أفق دلالي دينامي ومجال أوسع ينتجه تفاعل الكادرات

يبدأ الفيلم من الوهم الفوتوغرافي حيث اللقطة الشاعرية للميناء والتى بقيت في مخيلة البطل والمبني عليها مفارقة الفيلم كاملة، بقيت لأنها أثرت جمالياً في مخيلة البطل ليس فقط من أجل وجه الفتاة الجميلة إنما أيضاً من أجل فداحة هذه اللحظة التى يسقط فيها رجلاً قتيلاً، تنبعث شاعرية هذه اللحظة من احتوائها على الحياة والموت “الطفل المتأمل /الرجل المقتول”، هذه الصورة الملحة على ذاكرة البطل بكل شاعريتها، هي اللحظة التى يكون فيها طفلاً يشهد لحظة موته رجلاً أو العكس.

بتتابع الصور الفوتوغرافية للفيلم وحسب الإيقاع الزمنى لتتابعها والذي يعتاده المشاهد بعد قليل من الوقت، يحطم الفيلم نقطة البداية فالصورة التى بقت بذاكرة الرجل هى صورة موته. هذا البناء الخاص لنظام معرفي خاص ومجال دلالى يتنامى وينبني وينهدم في مجموعة الصور هو مايمكن أن نسميه المجال الفيلمي الذي يؤسس لفيلمية الفيلم عبر الصور، فما كانت ستدل مجموعة اللقطات الأولى للمطار على شيء لو لم تدخل في إطار معرفي / نسق جمالي.

إن مفهومية ودلالة هذه اللقطات الخاصة بالمطار واللقطة بشكل عام هو المجال الفيلمي الذي يجعلها لاتغدو مجرد معرض للفوتوغرافيا، إنما نظام متفاعل ينهار عند حذف جزء منه، و يكتسب كل جزء معنى دلالى بداخله.

هناك سبب: ما يحدد مفهومية ودلالة الكادر / اللقطة في الحياة هو ارتباطها بسياق عام معلوم بشكل تام خارج الصورة ويحضر جزء منه فقط داخل الصورة هذا الجزء يحيل إلى الكل الواقعي / التاريخي، بينما في الفيلم مايحدد مفهومية ودلالة الكادر هو المجال الفيلمي، هذا المجال الفيلمي الذي يربط مجموعة من الصور/ الكادرات بعالم خاص هو عالم الفيلم، فيحتل المجال الفيلمي موقع المعرفة التاريخية التى تحيل الصورة الفوتوغرافية كموضوع دال إلى الواقع (زمنياً ومكانياً)؛ فيربط المجال الفيلمي مجموعة الصور بعالم زمانى ومكاني خاصين بحيث يبني تاريخه الخاص والذي نسمية إجمالا الفيلم، ونفرقه بذلك عن الفوتوغرافيا فلا يحيل الكادر الفيلمي إلا إلى ذاته. قد يتشابه في مماحكته بالواقع مع الواقع إلا انه يبقي على نفسه مجالاً خاصاً،

لعل جوهر فن السينما هو خلق المجال الفيلمي المعني بإحكام التدفق الحركي التشكيلي بين كادر وآخر داخل تاريخ ومفهوم لرؤية العالم، الغطاء الرقيق الذي يصنع من الصور موضوع و يمنح لمجموعة الكادرات آنية دينامية دالة على حياة ما. وهو ما حدث في لاجيتيه.

تريد متابعة السلسلة؟

إفتح 2


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: