الحب على عتبات المسارح..

مُرَّ بِي يا وَاعِداً وعداً مثلما النسمَةُ من بَرَدَى
تحمِلُ العُمرَ تبَدِّدُهُ آهِ ما أطيبَهُ، بَدَدَا
سعيد عقل

  المسرح والمدينة

في فضاء المدينة وعلى قمة الدولة يولَد المسرح بصورته الغربية، بوصفه مفاوضة ممتدة بين القبلي والمديني، منسحبة من الواقع الأثيني حيث الديموقراطية إلى خشبات المسارح لإرساء قيم الدولة التى تسلب من الفرد البطولة وفي المقابل تمنحه الحماية والمشروعية الإجتماعية –

أوديب يقدم ذاته لا من أجل إرضاء القدر إنما لحيازة المشروعية الاجتماعية التى تدفعه طواعية لأن يقوم بالتضحية بذاته من أجل نجاة المدينة وخلاصها، المدينة المتمحورة حول الثأر للأب “لايوس”. المأساة الأغريقية تنتهي بتدمير البطل لتعارض أهدافه مع أهداف المدينة، تعارض مشروعه الوجودي مع وجود المدينة، يظهر هذا التناظر بقوة في طبيعة الخيارات التى يفرضها النص المسرحي إما أن يُعاقب قاتل الأب “أوديب” أو تُدمر المدينة بفعل الطاعون.

يمكننا أن نلاحظ كذلك في ثلاثية الأوريستا “إسخيلوس ” تعارض مصالح وأهداف كلتمنسترا مع مشروع الدولة الذي يعبر عنه شيوخ المدينة وإلكترا وأوريست إلى جانب ربات العقاب المنتصرات لأوريست الثائر لحق الأب/ شرعية الحكم /الدولة، ثلاثتهن اللائي منوط بهن الثأر لحق الأب، تقف كلتمنسترا في عداء مع حق الدولة بوقوفها ضد الأب / الملك أجامنون، فلا تتخذ الموقف المضاد بقتل أجامننون فقط ولكن أيضاً بخيانته مع ابن عمه إيجست بعد أن تغيب الأول إثنيا عشر عاماً في طرواده.

رغم أن هذه التيمة المجردة يمكن النظر إليها بإعتبارها تيمة تتعلق بالحب والخيانة إلا أننا لايمكن أن نصنف ثلاثية الأوريستا كعمل يتعلق بالقصة العاطفية. ترجع تسمية الثلاثية للابن أوريست الذي يثور لحق الأب في مقابل حق الأم، فيما يمثل الأب النظام الذي يعكس مفهوم الدولة بينما تعبر الأم عن الفوضي السابقة على نشوء الدولة.

كذلك نجد مسرحية ميديا المقسمة بين فضائين مؤسسين دلالياً فضاء المدينة كورنت، وحدود المدينة حيث يعيش المرتحلون والمجرمون والمنبوذون، ميديا خارج المدينة وجاسون زوجها داخل المدينة يشرع في زواج جديد من ابنة الملك، وبهذا لاتصبح المسرحية علاقة هذه الزوجة المغدورة بزوجها المتخلى عن علاقتهما وتاريخهما المشترك هو فقط الموضوع، إنما التناظر بين التحضر/التمدين والبدائية / الوحشية، بين سلطة الدولة وفوضى الفرد، بين أهداف ومصلحة الفرد ميديا في استرداد زوجها وحياتها، وبين مصلحة المدينة التى تتمركز في اتمام الزواج واستقرار الحكم والتخلص من ميديا صاحبة العربة المتنقلة والمهددة للمدينة كلها ولأمنها واستقرارها.

Corinth

يكاد يخلو المسرح الأغريقي من المسرحية العاطفية.

ربما يرجع ذلك لعوامل عدة تتعلق بطبيعة المسرح من حيث نشأته لارتباطه بمفاهيم نشوء واستقرار الدولة التى أطلقنا عليها فيمابعد الدولة الأبوية، ومن ناحية أخرى فإن المسرح المنحدر من فن الخطابة وبالتالي إعتماده على الإلقاء آنذاك كانيفوق الاعتماد على فن التمثيل بحيث تحتل الأقنعة محل الأداء التعبيري الدقيق للوجه والجسد.

هناك سببٌ ثالث: فالمسرح نتاج الفصل التام بين المتفرج والمؤدي، فصل يسمح بما يسمى “الفعل بإلإنابة” حيث يتدرج الفرد تجاه التخلي عن المساهمة في الطقس القديم وهو طقس حسي بمعنى أنه يستثير الوجود الإنساني في شروطه الغرائزية والحسية في مقابل الإعلاء من شأن العقل والتفكير شريطة أن يحدث العمل المسرحي آثار مشابهة لما كان يتعرض له المواطن الأثيني خلال الطقس وقد سماه أرسطو التطهير؛ فيعلى من شأن الفهم والمنطق الذي يقدم العالم وفق أبنية عليه وسببية قد يخرج موضوع الحب عنها أو على الأقل يكون أعنف من قدرة المنطق على استجواب تناقضاته واضطراباته التى لن تتوافق مع الذهنية الذاهبة للاستقرار وللتنظيم وترشيد الانفعالات، بإلاضافة أن حالة الفصل عن الممارسة الجسدية الجماعية تلك إحتاجت للمنع الذي لن تعود معه الا ذكرى لتجربة فوضوية بعيدة لن تعود لمجال الإحياء مرة أخرى ولكنها ستتحول الى مسارات جديدة وبالتالي من الممكن أن تعيدها موضوعات الحب من جديد.

“في مقابل موضوع الحب سنجد موضوع العائلة مسيطراً على الدراما القديمة، وعلى العكس من ذلك يظل الشعر الغنائي محتفظاً بموضوعات الحب والرغبة والشهوة، ربما لتعبير الشعر عن الذات الفردية وعن روح الفوضى والاضطراب والتناقض، فيما عبر المسرح عن المصلحة الجماعية وعن النظام والاستقرار”

في مقابل موضوع الحب سنجد موضوع العائلة مسيطراً على الدراما القديمة، وعلى العكس من ذلك يظل الشعر الغنائي محتفظاً بموضوعات الحب والرغبة والشهوة، ربما لتعبير الشعر عن الذات الفردية وعن روح الفوضى والاضطراب والتناقض، فيما عبر المسرح عن المصلحة الجماعية وعن النظام والاستقرار، كل هذه العوامل جعلت موضوعات الحب بعيدة عن إمكانيات المسرح القديم، خاصة وأن الحب حركة عاطفية تعمل خارج شروط العقل والمنطق، بل إنها تُخضع العقل ليبررها ، كما أنها ذاتية و دقيقة بحيث يصعب تقديمها في ظل معطيات العرض السابق ذكرها، بإلإضافة إلى أن الحب هو موضوع نسقي لايُستدل عليه إلا عبر عوارض محيطة به، وفي الوقت ذاته يمكن أن نعتبره موضوعاً ذاتي نسقطه على العالم الخارجي، لذا يمكن أعتباره مشروع فردي وذاتي.

ancient Greek theater

 لن نلحظ الحب كموضوع درامي إلا في وجود مضاد ونقيض له، بوصفه نسق متخيل يبرر العالم ويضع سياق أخلاقي للتعامل معه.

يطرح آلان باديو في محاضرة ألقاها بمهرجان أفنيون تصوراً عن الحب بأنه هو المشهد المشترك الذي تواطئ فيه شريكان على إلأتفاق على أنهم أمام مشهد واحد مشترك على الرغم ان كلاهما يري من وجهة نظره، وهنا يقدم لنا باديو الحب بوصفه وهم يسمح للآخر بمشاركتنا، وبالتالي هو لايظهر في ذاته إنما عبر ممارسات مختلفة، أحياناً تصبح أعقد مما هو شائع،  في حين أن موضوعات مثل الحرب ، المرض ، الموت هي موضوعات يُستدل عليها في حد ذاتها كممارسات، لذلك سنجد أن الكلاسيكية الفرنسية الجديدة تطرح صراع  العاطفة والواجب وهو مايمكن إعتباره امتداد طبيعي للكلاسيكية الإغريقية، الفرد في مقابل المجتمع ، المصلحة الفردية في مقابل المجتمعية، بإلإضافة إلى إبراز مايخص العاطفة عبر نقيضها الواجب /المنطق / العقل.

تريد استكمال السلسلة!

افتح 2

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: