الحب على عتبات المسارح..

الحب والسؤال الوجودي للبطل:

الحب ليس كالقتل لايمكن أن نستدل عليه من خلال تحريات عملية ومنطقية لتخبرنا ماهو الحب! لماذا نحب هذا الشخص دون الأخرين! فقد يقدم الحب نفسه في صور متطرفة ومركبة معارضة لتصورنا البسيط عنه، فقد ل انحب أناس طيبين ومثاليين يستحقون الحب من وجهة نظر المنطق وقد لانعبر عن الحب بالجمال، وقد لانستطيع أن نعبر عنه، وقد نعبر عنه عبر الكراهية، قد ينطوي الحب نفسه على كراهية ومشاعر أخرى متراوحة متضاربة وقلقة بما يجعلنا أمام تساؤل هل نحب من نعتقد أننا نحبهم فعلاً! ولماذا علينا أن نحب الآخرين، هل بإمكان الآخر أن يكون جزءً من مشروعنا الشخصي بالفعل ، هل يمكن تضمينه داخل قضيانا الوجودية، وإن كان كذلك فلماذا لم تذكر أنتيجون خطيبها هيمون ولوبشكل عابر، ولماذا لم يحب هاملت أوفيليا وان كان قد أحبها فهل هذا مايمكن ان نعتبره الحب! عندما ينخرط البطل في قضيته الوجودية أين يعيش الحب!

Martin Heidegger

العزيزة حنة ..
لماذا يكون الحب فوق طاقة كل الإمكانيات الإنسانية الأخرى ويكون ثقلاً حلو بالنسبة للمحب ؟
لأننا نتحول إلى مانحبه، لكننا نبقى نحن أنفسنا. ذلك إننا نريد أن نشكر من نحب ولكن لانجد أي شيئ كاف لهذا الشكر .
لايمكننا الشكر إلا بذواتنا. فالحب يغير الشكر إلى الإخلاص للذات وإلى الإيمان الغير مشروط بالاخريين وبهذا ينمي الحب بإستمرار سره الخاص .
“مارتن هايدجر”

يتساءل مارتن هايدجر في واحدة من رسائلة لحنة أرندت لماذا يكون الحب فوق طاقة الإمكانيات الإنسانية الأخرى؟! يسأل مارتن هايدجر حنة أرندت طالبة الفلسفة ذات الأصول اليهودية وموضوع الحب الممنوع لأستاذ الفلسفة الألماني مارتن هايدجر المناهض للنازية، يتصدر السؤال مدخل واحدة من هذه الرسائل المتبادلة بينهما، هذه الرسالة تحديداً تثير تساؤلات عن ماهية الحب ولاسيما في سياق علاقة مارتن هايدجر بحنة أرندت التي حكمتها لعب الأدوار السلطوية المتبادلة من كلا الطرفين بدءاً من الأدوار الجيندرية الأولية رجل/ إمرأة ، وصولاً للأكثر تركيباً أستاذ/ وطالبة ، نازي/ سامي.

لايخلو الحب من ألاعيب السلطة والإغواء، بالإضافة للثنائية الاستعارية الأكثر شيوعاً (الفريسة والمفترس) والتى تكشف عن طبيعة الألعاب الجنسية الإغوائية والتى أخذت تدخل ضمن أنساق أجتماعية وسياسية ونفسية أخرى ،غير أن هذه الأدوار لاتتسم بالثبات والاستقرار قدر ماتتسم بالتحول الدائم، بالإضافة لاقترانه  بمفاهيم نفسية تترتب على علاقات السلطة المؤسسة لمفهوم الحب مثل الشعور بالأمان/ الخوف ، التهديد/ الحماية، المعرفة بالآخر/الجهل به ، الديمومة /التبدد، الاستقرار/الترحال، هذه الثنائيات التي تتحرك حول لعبة السلطة وممارسات الإغواء تجعل الحب يتجاوز حدود البيولوجيا ورغبة البقاء المتصلة بفعل الجنس ليصل الى شيء آخر محفوف بالغموض والالتباس باعتباره واحداً من المفاهيم التى تتجلى عبرها الأضَّاد متناحرة ومتصارعة وغير متحدة، فالتنازع الدائم بين هذه الأضاد هو ماينشئ الحب.

ولعل خفوت التوهج العاطفي في العلاقات طويلة المدى يرجع لفض هذا التنازع بتغليب طرف من الثنائيات على الآخر مع تثبيت وهمي لصورة الآخر والعلاقة، غير أن هذا التغليب الأحادي عادة مايكون مُتوهم، فيثبت الزواج صورة المستقر بينما تأتي الخيانة لتستحضر الصورة النقيضة  الترحال / التبدد / المغامرة وما أن تتبدد صورة الإستقرار تتبدد صورة الترحال بطبيعة الحال وينتهى الثالوث، هذا الثالوث ” الزوج والزوجة و العشيق أو العشيقة ، هو ثالوث جرى تداولة في الميلودرمات والكوميديات المنحدرة من العصور الوسطى ، وهى الصورة التى يمكننا أن نقترب فيها بشكل مراوح من مسألة الحب، ومن خلال هذا الثالوث يصبح تعريف الحب ظاهرة لاتُري الا عبر نقيضها.

 Ophelia 

على العكس من هذا الثالوث يستحضر الحب الأضَّاد متجاورة ومتناحرة ومفككة لبعضها البعض، بل يمكن القول بأنه يولد من هذه التناحرات، في المقابل يكون فن المسرح هو موضوع لبناء نسق تستحوذ عليه بنية متحدة الإضاد، وهو يجعل من الحب موضوع عسير على المسرح على مستوى البنية.

بالكاد نعثر على نصوص مسرحية من نوع romance love story. نجد نصاً واحداً لشكسبير موضوعه هو الحب “روميو وجوليت” حيث يظهر داخل إطار الصراع بين العائلات الكبري ونجد قصة الحب في “عطيل ” موضوع هامشي لقائد الجيش ذي الاصول الأفريقية عطيل حيث يتحدد الحب في عطيل من خلال الشك والخيانة، نجد لفكتورهوجو مسرحية”هرناني” وتدور حول  التنافس بين شارل كوينت و هرناني على دونا سول وهنا يبرز الحب كموضوع عبر التنافس، وهو ما سيمتد بعد ذلك في السينما الأمريكية ليصبح إنكشاف الحب لا يأتي عبر ذاته أنما عبر موضوع قد يكون مناقض او متخارج عن الحب مثل التنافس كما في فيلم Titanic، أو الصراع الاجتماعي والطبقي والحروب أي من خلال القوي الأكبر التى تقضي على الحب، ولكن هنا يمكننا أن نشكك فيما قد يعتبر حب خلال هذه الموضوعات..

هل كانت ستبقي قصة حب روميو وجوليت أو جان وروز في حال نجاة الأبطال بحبهما المزمع! أم أن الحب هو  التوتر الذي يخلو من تبرير وهذه الصراعات المحيطة بقصص الحب ماهي إلا شاشات لإسقاط إضطرابات وتوترات الحب لرصدها من خلالها ، أي أنها تحيا داخل كل من روميو وجولييت ولكنها تحتاج لكي تتمظهر موضوع صراع خارج عنها فلا يمكن له إلا أن يتجلى عبر الصراعات الكبرى وهذه الصراعات المحيطة بقصة الحب هي ذرائع لإظهار الحب كلحظة متوترة ولايمكن أن يتجلى في صورته البسيطة والغائمة والمرواحة وخاصة على المسرح! فقد يحتاج المسرح لفعل واضح ولوقائع كبرى متماسكة لنسقطه عليها فنستطيع رصده و فهمه من خلالها! ليمر عبر المسرح سهواً متسللاً وعارضاً وهامشياً، ذلك لكونه ببساطة يحتاج لتفكيك الذات المحبة لكي تسمح بإدماج الأخر، خلخلة الذات وتفكيكها هي حركة لاترتبط بأي نشاط شعوري غيرالحب فالاحتياج لمشاركة الآخر تتطلب التخلي عن الصورة الصلبة للذات بالسماح لها بإلانكشاف ولذلك قد يكون الحب بالفعل حركة مضادة لمشروع الكينونة الاجتماعي، فنجد أن هاملت الباحث عن وجوده الخاص وكينونته يستبعد أوفيليا من مشروعه الذي سيحدد كينونته، بل يجعل من أوفيليا موضوع لمناقشة عالمه وموضوع للإدانة، فيبدو تشككه في عفة أوفيليا – أعفيفة أنت! –  تشكُك لايتصل بشخص اوفيليا قدر مايتصل برؤية هاملت المغدور من محيطه الأقرب للعالم.


الحب بوصفة علاقة مفككة للذات ومبددة لها، يساهم مساهمة أساسية في تدمير البطل الرومانتيكي، في الرومانتيكية يبدو البطل متمحور حول ذاته وغير مستقر ومدمر لذاته وفي رحلته للبحث عن لحظة تماسك يكون الحب هو عامل رئيسي في القضاء على البطل المتحلل والذي يرجو من الحب اعادة توازنه فيمايحدث العكس، وكأن الحب موضوع مناقض لتماسك الذات لسؤال الكينونة الهاملتي ولسؤال الجدارة الخاص بماكبث. 

georg büchner

كذلك في مسرحية موت دانتون-1835 “جورج بوشنر”، والتى تدور حول شخصية جورج دانتون أحد أبرز زعماء الثورة الفرنسية إبان إعدامه على يد صديقه ورفيق الثورة روبيسبير، يقول دانتون لزوجته  في مفتتح المسرحية  مشككاً في معرفتهما ببعض: إننا لا نعرف عن بعضنا إلا القليل، نحن وحيدون جداً، ثم يعود ويقول لها: إنني أحبك مثل قبر ياجولي. بهذه العبارات التى تقدم لنا دانتون المقترف لخطيئة التشكك  داخل عالم يرنو للثبات واليقين، سواء عالمه  كزوج أو كمناهض للثورة ، وعلى الرغم من أن الحب ليس موضوعاً للمسرحية إلا أن بوشنر يقدم لنا الحب كسؤال يفكك الوجود ويشظيه أكثر مما يشكله، بحيث يضع علاقة الحب في منطقة بينية للمعرفة والجهل ، للثبات والتبدد، بل أن مفهوم التبدد مفهوم مركزي في تشبيهه الغرائبي للحب بالقبر.. الموت، فهل يمكن أعتبار الحب معادل لتلاشي والتبدد، وهل يرغب الإنسان في التبدد!  

 علي عكس ماهو شائع أن الإنسان يبحث في رحلة الحياة عن شريك يكمله عبر الحب، شريك يمثل النصف الآخر للكمال نجد أن الحب هو موضوع لتهشيم لحظي ومتواصل للذات، بحيث يمثل حيزاً لتفكيك الوجود.

تقدم لنا مسرحية “بلدتنا” لثورتن وايلدر صورة مكتملة للحب والحياة السعيدة، هذه الصورة تأتى على لسان البطلة بعد أن انقطعت صلاتها بالحياة، وفي عرض طريق 9/8 وهو عرض مأخوذ عن النص يفكك العرض نموذج الحب بمعناه المستقر الذي يقدمه النص علي لسان البطلة ، مرتكزاً على عبارة وحيدة تعبر فيها عن إستيائها من تجربتها الجنسية الأولى، فلو أن النص قام بتثبيت صورة جميلة للحياة الزوجية والحب؟ وهو نص إستثنائي في تاريخ الدراما من حيث كونه يقدم الحياة بلا صراع /أزمة ولو ان هناك أزمة فهي خارج عالم النص / الحياة النصية وهي أن حياة البطلة قد أنقضت بالفعل ولم يعد بإمكانها ممارستها من جديد، هذا العملية لفض الصراع نابعة من إنقضاء الحياة ومن هنا يأتى العرض الذي يفكك بنية العالم السعيد المنتهي، ليعيد حياة هذا النص لسياق النزاع والتناحر والقلق.

من هنا يخلق عرض (موت دانتون) مستويات متعددة للسرد واحدة تخص الحكاية الأصلية للمسرحية ومستوى آخر لشاشتي عرض، يظهر على واحدة رجل وأمرأة ينتظران على طريق سريع محاولين إيجاد سيارة تقلهم لمكان حيوي ويستطيعان اللحاق بسيارة نقل ضخمة وهناك يمارسان الجنس، على الشاشة الأخرى مقاطع حميمية مثيرة للإشمئزاز بدرجة كبيرة، وفي مستوى ثالث أستاذ يقدم مادة علمية جافة، بهذه المستويات الثلاثة يخلق العرض حالة من التوتر متواصلة بإلإضافة إلى أنه يقدم حياة البطلة السعيدة بإعتبارها إنقطاعات يربطها التأرُّق، كما يعيد الحب إلى مجال التبدد والتلاشي الشاق .

تريد مطالعة السلسلة من البداية!

افتح 1

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: