زوربا: السعادة في متناول الأيدي

زوربا: أحد ملاحم العصر الحديث


 


 

فى الوقت الذى أكد فيه كاتب الرواية “نيقوس كازنتزاكس” على ان زوربا شخص حقيقى بلحم ودم رآه وعاصره وأثر فى حياته، فإن بعض الدارسين يذهبون إلى أنه محض خيال لم يره أحد ممن عاصروا الكاتب ولم يذكر أحد من الأصدقاء أو ذوى القربى أن عاينهما معًا، وزوربا الذى تحول لشخصية سنيمائية مثلها “أنتونى كوين” باقتدار فى فيلم جلب الشهرة والعالمية لراوى الحكاية، ثم إلى أوبرا وأعمال مسرحية  جابت الدنيا، ماهو إلا نموذج البهجة العنيفة والإنسانية المفرطة، البدائى والحيوانى الهمجى والقديس  والمتحضر، الطاقة المتفجرة للضحك والبكاء والرقص والذكاء وحب العمل، كل هؤلاء جنبًا إلى جنب، وما إن يتشرب الإنسان زوربا بكل ما فيه، ما إن يفهمه جيدًا، حتى يصرخ “اكان من الممكن أن يصبح الحل لتعاستى وخصومتى مع العالم بهذه البساطة!”.

وأيًا كان زوربا “نيقوس” حقيقيًا أم مبتكر، فإنه لابد لكل منا من “زوربا آخر” تعثر فيه فى مسيرة حياته، اغلبنا يرميه بالجنون، بغرابة الأطوار، لكن نيقوس وحده توقف عند هذا النموذج ووضع على فمه البلاغة التى تليق بشاعر لينطق ويفضح مكنونات نفسه، ويثبت بمنتهى الأريحية أن مسيرة الحضارة الإنسانية التى تبلغ من القدم آلاف الأعوام قد ضلت الطريق حينما تركت الطفل البدائى الذى كانته فى يوم ما، كان هذا الطفل هو مبلغ سعادتنا لأنه كان يرى العالم كل يوم كأنه يراه للمرة الأولى، بنفس الدهشة والإحساس الطاغى بجمال الموجودات، هكذا كان زوربا يحتفظ بالدهشة المتجددة التى تقتل رتابة الأيام، وكان يرى البحر والرمال والأشجار وجميع المخلوقات فى كل صباح، فيفتح عينيه على اتساعهما كأنه يشاهد هذه الأشياء لأول مرة فى حياته، كم من السعادة المتجددة التى كانت تجلبها لنا تلك النظرة ونحن صغارًا، ومن هو هذا الإنسان الذى له من القوة وبساطة النفس ما يجعلاه قادرًا على الاحتفاظ بها حتى يبلغ الشيخوخة ويصبح على حافة الموت، إنه زوربا.

 ومن المؤكد أن نيقوس كان يعى جيدًا مقتضيات الظرف التاريخى الذى كان يحيا فيه فى ثلاثينات وأربعينات القرن الماضى، فعلى الرغم من  انتهاء وصاية الكنيسة الكاثوليكية على الدولة فى أوربا قبل ذلك بزمن، إلا أن ميراثها الكهنوتى كان لايزال يسيطر على عقل الإنسان الغربى، هذا الميراث الفكرى كان له ميزان كفته راجحة باستمرار ناحية الروح على حساب الجسد، فكل ما يختص بالجسد من احتياجات وملذات هو قادم من الشيطان جدير بالاحتقار والإزدراء والإذلال، كان على الأوروبي  وبخاصة اليونانى أن يعيش وبداخله صراع شرس بين ميراث لحضارة إغريقية تحتفى بالجسد وآخر كهنوتى ينتصر لسمو الروح ويتأفف من المادة.

 هنا يجعل الكاتب جزيرة كريت مسرحًا للأحداث، ويرسم لنا هؤلاء الكريتيين البسطاء الشهوانيين على الرغم من كونهم يحتقرون الزناة، ثم يرسم على هامش اللوحة أنثى ضارية الجمال، وكأنما يلقيها عليهم من السماء ثم يمنح القارئ الفرصة لكى يراقب تصرفاتهم، أرملة يشتهيها الجميع ويمتنع امتلاكها على الجميع، ماذا إذن؟. سوف يلقبونها بالعاهرة الدنسة عدوة الرب القادمة من عند الشيطان، لا لشئ إلا لأن كل واحد فيهم يرغب فيها بشدة لكنه لا ينالها، هذا التناقض العنيف لابد له من حل، إذن كان لابد لنموذج زوربا من الظهور ليعيد هذا التوازن المفقود بين الجسد والروح.

لا فكاك من التفلسف هنا حينما نتحدث عن زوربا، فهى رواية تحكى لنا فى الأساس ببطء وروية عن كيفية التحول التى تصيب الراوى العليم(هنا هو الكاتب) وهو شخص مفكر يبحث عن سر الكون والسعادة واليوطوبيا، يحلم بمجتمع يتساوى فيه الفقير مع الغنى والرجل مع المرأة، وبناءً على ذلك يشترى منجمًا للفحم فى إحدى قرى الجزيرة، لينشئ مجتمعه المنشود ذاك، وفوق ذلك كله فهو يجد فى بوذا ضالته، أى فى أوسع تلك الأفكار -التى توطد للزهد وإذلال الجسد ونشدان السعادة من خلال الارتقاء بالروح- انتشارًا، هنا لابد لزوربا من الظهور أيضًا لكى يقول له “أنت شاب، لو كنت فى مثل صحتك وجمالك لما توقفت عن الرقص”.

كيف يمكن للرقص أن يصبح سرًا للسعادة وللتصالح مع الكون، إنه فعل الرقص فى معناه العام والشامل، أن يكون المرء خفيفًا بدرجة كبيرة مما يجعله يتحرك بين الأشياء يلمسها بجسده ويتوحد معها، لكنه يتنقل بينها بسهولة دون الرغبة فى امتلاكها جميعًا أو الوقوع فى فخ العبودية لأى منها، هنا تسمو الروح ويشبع الجسد فى آن واحد، ويتصالح الجسد مع روحه من خلال تصالحه مع المادة، يقف نيقوس ليسأل “كيف توقف زوربا وهو طفل عن إدمانه المزعج لتناول الكريز؟” فيجيب زوربا”أحضرت أكبر كمية منه وتناولتها دفعة واحدة حتى شعرت بالتخمة المزعجة وتقيأت، ومن لحظتها لم أعد عبدًا للكريز”، هكذا يرى زوربا كيفية التحرر من سلطة المادة، بالخوض فيها لا باجتنابها واحتقارها.

 إذن لسنا بصدد نموذج شهوانى يحتفى بالمادة على حساب الإنسان، فزوربا هذا الذى  ترسمه الرواية هو نموذج صارخ فى شعور الإنسان بأخيه الإنسان، وفى حبه للضعفاء الذى يصل لدرجة التضحية بالذات، وفى خوض شئون الحياة ببسالة، يتجلى كل ذلك فى حكايتيه مع مدام “أورتانس” صاحبة الفندق، وفى مأساة الأرملة الجميلة ، وللمرأة هنا نصيب جيد من الحكايات والتأمل الناضج.

يتحول الراوى رويدًا رويدًا إلى أن يكتشف مع زوربا أن السعادة الحقة هى فى الالتصاق بالأرض وفى التوحد مع كافة المخلوقات وفى الدهشة المتجددة وفى الرجوع للطفل الذى كانه فى السابق، ولعلها رحلة تطور الكاتب نفسها، فنيقوس كازنتزاكس الذى تم اتهامه كثيرًا بالتناقض بين الوطنية المتطرفة والشمولية، والتصوف والمادية، وكتابات المرء خير دليل عليه، فهو الذى تخطى فكرة الوطنية المتطرفة فى روايته “الحرية أوالموت” ثم تخطى بوذا للتوازن الحسن بين الروح والجسد فى “زوربا”، ومن ثم أيقن أن خلاص البشر قادم من هنا من الأرض فى “الإغواء الأخير” وسعى فى رحلة التوحد مع الكون فى “تصوف”.

صدرت من الرواية حتى الآن ترجمتان عن اليونانية مباشرة، صدرت الأولى ل”خالد رؤوف”عن المركز القومى للترجمة  بمصرعام 2013، والثانية عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة لأستاذ الأدب اليونانى”د.محمد حمدى إبراهيم”، وهما ترجمتان على قدر كبير من الجودة، وخالد رؤوف الذى لا يعتبر نفسه من المؤمنين بتقديم وجهة نظر المترجم فى النص، قدم للقارئ نصًا يتمتع بحس شعرى عال إلا أن ذلك أتى أحيانًا على الحس السردى و على رسم المشهد بالشكل الذى يجعل القارئ يراه جيدًا، وهو ما يستطيع المرء الجزم بأن نيقوس كان بارعًا فيه وإلا ما تمتع النص بهذا الإقبال العالمى، وأعتقد أن من المستحيل على المرء أن  يتخلص من وجهة نظره نهائيًا أثناء فعل الكتابة (فالترجمة كتابة على الكتابة) مهما بلغت به الموضوعية.

 وحقيقة الأمر أن كاتبنا هو شاعر وروائى وكلاهما لا ينفصل عن الآخر، فهو يكتب الحكاية بخيال الروائى وحدس الشاعر، وهنا كانت ترجمة المركز القومى أكثر تماهيًا مع الصورة الشعرية، بينما حافظت ترجمة الهيئة على التوازن بين شاعرية النص وكونه سردًا فى الأساس، كما نقلت إلينا الحوار بين الشخصيات فى خفة وسلاسة وبشكل يمنح كل شخصية لونها الخاص، واللغة فى الأخيرة جزلة لكنها بعيدة نوعًا ما عن روح العصر، بينما فى الأولى تبدو اللغة لينة ومشابهة كثيرًا لتلك التى نستخدمها فى حياتنا اليومية.      

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: