لماذا يشكك علم النفس في شهادة الشهود بالمحاكم؟

كتب: يونس ماجد

في تجربة كلاسيكية لا يخلو منها أي من مراجع علم النفس المعرفي، قام عالمان هما على الترتيب وولف وسابير باختبار تأثير اللغة على عدد من المتطوعين، ومن ثم قاموا بتقسيم الأفراد موضع الدراسة إلى مجموعات وعرض نفس الفيديو لفيلم قصير عليهم جميعًا، يحتوى الفيديو على مشهد لسيارتين ترتطم إحداهما بالأخرى، لكن مع فارق وحيد وهو أن العلماء كانوا يتحدثون أثناء عرض الفيديو كل مرة بطريقة مختلفة عن الأخرى، مرة باستخدام مفردات عنيفة كالارتطام والتدمير ومرة باستخدام مفردات أقل حدة كالتلامس مثلًا.

 بالرغم أن كافة المجموعات قد شاهدت   نفس قائد السيارة المسئول عن الحادث وهو يقود بنفس السرعة، لكن الغريب هو أنه بتوجيه السؤال لكل مجموعة على حدة عن وجهة نظرهم في سرعة السيارة التي أدت إلى الحادث أدلوا بأقوال مختلفة، فالأفراد الذين  تعرضوا لسماع مفردات عنيفة أكدوا أن ذلك الشخص كان يقود بسرعة جنونية، أما الأفراد الأخر الذين سمعوا مفردات لغوية ناعمة كالتلامس أكدوا على عدم مسئولية نفس الشخص عن الحادث أصلًا، أي أن الحدث قد تم تخزينه في ذاكرة الشهود مصحوبًا بالصيغة اللغوية التي سمعوها أثناء المشاهدة، وهو ما نتج عنه أقوال متضاربة رغم  اتفاقهم في تواجدهم في مسرح الأحداث (الفيلم) بكافة التفاصيل.

ثغرات العقل البشري!

يتأتي مصدر هذه الشكوك في شهادة الشهود الذين تعرضوا إلى الرؤية المباشرة للجرائم لا من جهة التشكيك في نواياهم الدفينة، ولكن من قدرة العقل البشري في العموم على تذكر الأحداث والوجوه والأصوات كما هي، وعلى وجه الخصوص في بعض الأشخاص الذين يعانون من خلل مرضي يتعلق بالذاكرة، هؤلاء الناس كانوا في لحظة ما داخل مسرح الحدث ومن ثم يتم استدعاؤهم للإدلاء بأقوالهم أمام الجهات الرسمية وما يحدث في الغالب أن جهات التحقيق لا تأخذ بعين الاعتبار حقائق علمية كتلك التي سيتم توضيحها في السطور التالية.

ذاكرة قابلة للتعديل!

تأثر الذاكرة الإنسانية باللغة ليس هو العامل الوحيد الذي يجعل المرء يشكك في قدرة العقل على تخزين المشاهد الواقعية بدقة، فهنالك أيضًا عامل هام آخر وهو الطبيعة المرنة للذاكرة، يحدث ذلك قبل أن تنتقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة الدائمة، وعلى نحو أكثر دقة فإن ما نتعرض إليه خلال حياتنا اليومية يمر بثلاث مراحل قبل أن يتم تثبيته، الذاكرة اللحظية والعاملة والذاكرة طويلة المدى، وقبل الولوج إلى المرحلة الأخيرة تكون المشاهد والأصوات مخزنة بشكل مرن داخل المخ، وبما أن الشخص سيظل يسترجع حدثًا ما -إذا كان على قدرٍ من الأهمية التي تدفعه إلى ذلك-، وبما أن عملية الاسترجاع هذه تكون مصحوبة بتأثير المشاعر والتخيلات والتوصف اللغوي الذي يخلعه الإنسان على الحادث، فإن المشاهد التي رآها رؤية العين وسمعها بأذنه تكون قابلة للتعديل بناءًا على هذه المشاعر والتوصيفات والتخيلات والاستنتاجات، معنى ذلك أن الأحداث المخزنة في المخ لا يمكن أن تتطابق تمامًا مع ما حدث بالفعل.

الوجوه

 في دراسة متأخرة نشرت على جريدة Royal society  المختصة بالعلوم الحيوية، تم الكشف عن أن الحد الأقصى لقدرة العقل البشري على تذكر الوجوه يتراوح بين الخمسة والعشرة آلاف وجه، فيما تنحصر قدرة بعض الأشخاص في عدد أقل من ذلك بكثير لا يتخطى الألف، وبسبب تعود أسلافنا الذين سبقونا إلى الوجود على هذا الكوكب منذ آلاف السنين على المعيشة وسط جماعات صغيرة نسبيًا فإن هذا العدد كان أكثر من كافٍ، لكن ونتيجة لاختلاف طبيعة المجتمعات الحديثة التي نعيش فيها الآن فإن الفرد الواحد يتعرض خلال سنين عمره القصير إلى عدد أكثر من ذلك بكثير، لنتخيل على سبيل المثال كم عدد الوجوه التي يتعثر بها الفرد الواحد خلال ساعات اليوم الواحد منذ نزوله من البيت حتى عودته آخر النهار؟ هذا الأمر يعني أن الشاهد الذي يتم استدعاؤه للإدلاء بأقواله في جريمة ما سيكون من الجائز أن قدرة عقله التخزينية لم تستطع استيعاب الوجوه البشرية التي تعرض لرؤيتها في مسرح الأحدث خصوصًا إذا لم تكن هذه الوجوه مألوفة بالنسبة له، وإذا أخذنا بعين الاعتبار هؤلاء الأشخاص الذين يقفون عند الحد الأدنى من القدرة على تذكر الوجوه فإن الموضوع سيكون أكثر صعوبة ومن المفترض أن تكون شهادته أقل في درجة أهليتها، وكل ما في الأمر هو أننا ورثنا نفس هذه القدرات من أجدادنا السابقين والتي لم تعد كافية للتعامل مع المجتمعات الحديثة، هذا هو أول القصيد.

عمى الوجوه

 كما أن هنالك نوع من الأشخاص الذين يعانون من اضطراب يعرف بعمى الوجوه Prosopagnosia ، هؤلاء الناس لا يستطيعون تذكر الوجوه تمامًا إلى درجة قد تصل إلى عدم القدرة على التعرف على الوجوه المألوفة للغاية كأفراد الأسرة الذين يعيشون معهم في نفس البيت، لذلك فهم يشاهدون أي وجه في كل مرة باعتبارها الأولى.

السلالات:

 أضف إلى ذلك أنه أصبح من الثابت علميًا أن البشر لديهم قدرة محدودة على تمييز  وجوه الأفراد المنحدرين من سلالات أخرى، فالقوقازيون يميزون بين وجوه السود أوالأسيويين بدرجة أقل بكثير من تلك التي يميز بها السود أو الأسيويين بعضهم البعض، والعكس صحيح، كما أن هنالك بحسب مجلة scientific American العلمية نسبة تتراوح بين 5 إلى 7 في المائة من الناس يفقدون القدرة تمامًا على تمييز وجوه السلالات المختلفة عنهم، وهو ما يعني أن شهادة هؤلاء في المحاكم ينبغي أن تكون محل شك.

المحاكم والتشريع

على الرغم من أن هناك توجه قوي في عدد من البلدان على أخذ هذه الحقائق بين الاعتبار أثناء التشريع للقوانين التي تحدد أهلية شهادة الشهود داخل المحاكم من عدمها، إلا أنه مازال أمام التشريع في بلداننا العربية بون شاسع عليه أن يقطعه حفاظًا على أرواح الناس وسلامتهم وتجنبًا لاتهام بريء أو إفلات مجرم من العدالة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: