سايمون كلارك وتخريب أسس البنيوية

علم الاجتماع

كتب: أحمد سليم

كلود ليفي شتراوس

سايمون كلارك وتخريب أسس البنيوية

عن كتاب “نقد ليفي شتراوس وأسس البنيوية” لمؤلفه سايمون كلارك، وترجمة سعيد العليمي.

حاول سايمون كلارك تقديم نقد منهجي للأسس التي قامت عليها المدرسة البنيوية من خلال نقده للأعمال الأولى لمؤسس البنيوية في علم الاجتماع “ليفي شتراوس”، وهو يجادل بأن كل الأعمال اللاحقة للبنيوين وما بعد الببنيوين الذين أتوا بعد ليفي شترواس بما فيهم “بارت” و”فوكو” و”لاكان” قد سقطوا في نفس المشاكل المنهجية، ذلك نتيجة لوجود خلل جوهري في الأساس الذي انبنت عليه هذه المدارس وهو يتلخص في مفهوم البنية الأولى الذي أرساه شترواس، وهو لذلك يرى أن قيامه بنقد هذه النقطة الأولى التي انطلق منها هذا المشروع سيصبح نقدًا شاملًا للمشروع كله.

نشأت البنيوية في الأساس كبديل منهجي للمدارس المعروفة في العلوم الإنسانية آنذاك، وربما تعرف معظم المثقفين العرب على البنيوية وما بعدها من خلال إسهاماتها في التنظير للنقد الأدبي والفني، وكان هذا التنظير توسُعًا للغرض الأساسي الذي قام من أجله شتراوس بتأسيس المفاهيم الأولى للبنيوية وهو تقديم نظرية معرفية يقوم عليها بالأخص علم الاجتماع ويتفادي بناءً عليها المشاكل التي وقعت فيها النظريات السابقة أو المعاصرة له في هذا الوقت، وهذا يؤكد بشكل أو بآخر رغبة البنيويين الأوائل في أن تصبح البنيوية نظرية شاملة للمعرفة، لذلك سيعد نقد سايمون كلارك لهذه الأسس نقدًا لكل النتائج المترتبة على كليهما أي البحث الاجتماعي في المقام الأول، وفي النقد الأدبي بشكل تابع.

ربما يصعب على المرء حصر أعمال البنيويين في سلة واحدة أو تحديدها باتجاه واحد، فإنجازاتهم مختلفة ومتباينة النتائج حتى حول الموضوع الواحد، ومفهوم البنية الأولى الذي وضعه ليفي شترواس قد تم تطويره وتعديله عدة مرات، لكن ما يجادل فيه سايمون كلارك هو أنه وبالرغم من ذلك لم يتغير الجوهر الأساسي الذي قدمه شتراوس وحارب لأجله، فما هو مفهوم البنية الأولية الذي يعزي كلارك لأجله فشلًا منهجيًا يعتور إنجازات كل هؤلاء المفكرين الكبار.

لفهم البنية الأولى ومشكلاتها التي يتحدث عنها كلارك، علينا أن نذهب لطبيعة المجتمعات الإنسانية، ونتساءل عن الأسس والقوانين التي تعمل من خلالها هذه المجتمعات ولماذا يختلف كل مجتمع عن الآخر في الكثير من الصفات الاجتماعية، وعلى الجانب الآخر لماذا تتفق كل المجتمعات في عدد من الصفات الجوهرية التي نجدها في جميعها رغم اختلافها وبعد المسافات الجغرافية بينها، وهذا السؤال الأخير هو الذي حاول شتراوس الإجابة عنه من خلال مفهوم البنية الأولى.

حينما أصدر ليفي شترواس كتابه الأول المؤسس للبنيوية “البني الأولى للقرابة والزواج” كان يحاول أن يثبت أن كل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية مبنية  على أساس واحد “بنية أولية”وهو “التبادلية” فكل ما يدور في المجتمع والأفعال والصفات التي تصدر عن الجماعات  مبنية على الرغبة في إقامة التبادل بين الأفراد أو المجموعات، وفكرة النواة الأولى هذه نفسها تقوم على أن هناك بنية نفسية مشتركة بين بني البشر تصدر عنها كافة الأفعال والصفات الظاهرية، وطالما توصلنا لتحديد البنية الأولى هذه فإنه باستطاعتنا أن نفسر المعنى الكامن خلف هذه الظواهر، دشن شتراوس هذه البنية باعتبارها الرغبة في إقامة التبادل، بينما رآها من بعده من البنيويين في شكل نزعات أولية أخرى، لكن الأساس الذي قدمه شترواس ظل كما هو، وهو وجود أساس أول من الممكن أن ترجع إليه كل الظواهر الإنسانية، ومن ثم يجري تعميمه وتفسير كل شيء يتعلق بالعالم الإنساني من خلاله وهذا ما يحاول أن يثبته سايمون كلارك.

وما يجادل فيه “كلارك” ويعتبره سقطة مدوية في الأساس المعرفي الذي انبنت عليه هذه المدارس هو عدم إمكانية التحقق من وجود هذه البنية من عدمه، فهو يرى أن كل البنيويين وما بعد البنيويين يحاججون بأن هذه البني الأولى لا يجوز محاولة إثباتها من خلال التجربة لأنها كامنة خلف اللاوعي الإنساني عند كل افراد الجنس البشري ومتعالية على التجربة نفسها، أو على أقل تقدير سيتم القيام بعملية لَي ذراع  لنتائج التجارب الأنثروبولوجية لتتوافق مع النظرية نفسها حتى إن كانت مناقضة لها بشكل مبدئي، لكن لو كانت الذاتية التي يصف بها كلارك البنيويين غير كافية فعلًا للتحقق من المعرفة ومضللة أحيانًا، فهل التجريب في العلوم الإنسانية يعد أساسًا كافيًا للتحقق من هذه المعرفة، هذا ما يمكن أن نتجادل فيه مع هذا الكتاب وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فإن الحِجاج الذي يأتي به كلارك حول البنيويين لابد سيكون مفيدًا ومشوقًا.

وبعيدًا عن الزاوية الاجتماعية للكتاب، فإننا إذا قمنا بخيانة لسايمون كلارك هذه المرة، ومن ثم قمنا بسحب نقده من الاجتماعي إلى  مجال النقد الأدبي، وإذا كان جدال البنيويين يتأسس على وجود بنية مركزية للنص -“اللوغوس” بتعبير آخر-، ومع غياب إمكانية التحقق من أدلة إمبريقية يستقيها البنيوي من داخل النص ذاته -على اعتبار أن النص هو المعادل الموضوعي للعالم-، فهل يعني ذلك انهيارًا لمجال تطبيق النظرية في الأدب؟، لابد  وأن جاك دريدا كان سيمتلك رأيًا مقاربًا من ذلك، على اعتبار أن الأدلة التي قد تشير لبنية ما عند قاريء ما ستشير إلى غيرها عند قاريء آخر، أو حتى مع تكرار فعل القراءة، فهل تؤدي نظرة سايمون للبنيوية لنفس تلك النتيجة التي توصل إليها دريدا في سياق منفصل!، وكيف يكون موقفنا تجاه كلا النظرتين، أعتقد أن قراءة متأنية للكتاب ستفيد في تكوين رؤية أوسع لهذه القضية الهامة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: