بين كافكا وديستوفسكي، قرابة دم!

رومان ستروك, جامعة كالجاري

ترجمة : أجمل

إن العلاقة بين الرواية في الأدب الألمانى والسرديات الروسية العظمى  قديمة العهد، ترجع نشأتها  لمنتصف القرن الثامن عشر، إلا أن الانخراط الأكثر كثافة بين الكتاب الألمان و الروس كان في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.

على خلاف البلدان الأخرى من غرب أوروبا،  إهتم  الألمان بالأدب الروسي عامة، ولم يقتصر اهتمامهم على الكلاسيكية الروسية وحسب؛ فجمهور القراء الألمان كان على دراية تامة  بكل أعلام الأدب الروسي بدءً من بوشكين، و ليسكوف، وغوركي، ماياكوفسكي، وبونين، باسترناك، و بولغاكوف، وحتى الكتاب السوفييت المعاصرين، ولم يقل هذا الإهتمام في أى وقت.

العلاقة المعقدة والغامضة مع أبويهما، والتي تتجلى في كتابات كل منهما لتبلغ ذروتها لدى دوستويفسكي في الإخوة كارامازوف، ولدي كافكا في المحاكمة ورسالة إلى الأب

مع ذلك، يجدر الإشارة لو بصورة عابرة إلى أن مسألة التأثر لم تكن من جانب واحد فقط، فنجد تأثير المثالية الألمانية وخاصة الأشكال الهيجلية منها و الحركة الرومانتيكية الألمانية واضح، بين  (شيلينغ، هيردر ـ  بلنسكي , شيلر ـ دوستويفسكي , جوته ـ بولياكوف)، لعل هذه الأمثلة العشوائية تكون كافية، غير أن ذلك موثق تفصيلاً كجزء من تاريخ الفكر الروسي.


لقد زعم توماس مان أن موقع ألمانيا المركزى من أوروبا جعلها بمثابة متلقي طبيعي و متفوق، ووسيط وناشر بين الشرق والغرب  الأوروبي للحضارة، ومن المؤكد أن رؤيته تلك جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار، ذلك على الرغم من المدى الواسع للاهتمام الألماني بالموضوعات الروسية، إلا أنه يمكن أن نقول بأريحية أن ديستوفسكي كان بمثابة نقطة محورية لهذا الشغف والافتتان لامعاً  مثل توماس مان، هيرمان هيس، ريلكي، دثبلين، ويرفل وأيضاً جاكوب واسرمان المنسي ظلماً تحت وطأة سحر الكتاب الروس، وقد أقر رائد الفكر الألماني الحديث نيتشه تقاربه مع تحليل ديستويفسكي للمأزق الأوروبي الحديث والذي وجده في “رسائل من تحت الأرض “، مثله في ذلك مثل كثيرين غيره ممن اهتموا بأزمة الوعي الأوروبي.

Franz_Kafka
Fyodor Dostoevsky

” الرجال الأربعة ، جريلبارتسر، ديستوفسكي ، كلايست , وفلوبير، أعتبرهم  أقاربي الحقيقيين، ما يربطني بهم هو قرابة دم ’’

أما فرانز كافكا فقد اعتُبر استثناءً من كافة النواحي، فقد مر إلى وعي كل من قراء أوروبا وأمريكا الشمالية متفرداً عظيماً، رجل منفصل تماماً عن بيئته وتقاليده، عبقرية أصيلة بما لا يُضاهى، وحتى في تقييمه الخاص لموقعه؛ رأى كافكا نفسه إما أن يكون البداية أو النهاية، وما يزال  اسم كافكا وحتى وقت مبكر من وفاته مرتبطاً برجال مثل باسكال، كيركيغارد، وديستويفسكي بوصفهم مفكرين إنسانويين.

في الدراسات المبكرة عن كافكا اعتُبر كواحد من هؤلاء، وعلى الرغم من قوة هذا التصور، إلا أن هذه الدراسات الأولى كانت انطباعية وتفتقر إلى  المنظور التاريخي الدقيق، فقد اعتبرت كافكا مقدم أفكار في المقام الأول إن لم يكن حصراً، و نبي للعذاب أكثر منه أديب، وهذه النبرة كانت درب من التوهم بدلاً من التقييمات التاريخية الدقيقة.

 فقط في أواخر الخمسينات وحديثاً جداً، بدأت الدراسات الأكاديمية لكافكا تخلخل تلك الثوابت اليقينية الهوجاء والادعاءات غير المبررة نيابة عن بطلها كافكا، وكمثال على ذلك مسألة تقاربه مع كيركيغارد  وقد أخضعت للفحص النقدي الدقيق مما أدى إلى رؤية أكثر واقعية تغاير مضمون الفكرة. في هذه العملية من التمييز وإعادة التقييم، اكتسب تقارب كافكا مع ديستويفسكي انتشاراً واسعاً في العقد الماضي، حيث أنجزت قاعدة عمل أساسية موثوقة بدرجة كبيرة، وعليها يمكن للمرء أن يتحدث الآن بثقة عن أكثر من اتصال عام أو عرضي بين الإثنين، على الأقل للوهلة الأولى، وبأشكال متنوعة. و فيما يلي، سنبذل محاولة لتلخيص بؤر التقارب أو حتى التأثير، حسب الحالة، بطريقة منهجية:

قد دونَت مكتبة كافكا الخاصة للأسف بعد عقد من وفاته، وتضمنت على أعمال ديستويفسكي الأدبية، الأخوة كرامازوف، الجريمة والعقاب، ومجلد واحد يجمع  الأعمال القصيرة بعنوان المقامر. في عام 1914، أصبحت الترجمة الألمانية للأعمال الكاملة لديستويفسكي متاحة، و يمكننا من خلال رسائل ويوميات كافكا معرفة أنه قد اطلع على العديد من الأعمال الأخرى إلى جانب تلك التى كانت موجودة في مكتبته الخاصة، بما في ذلك سيرة حياة ديستويفسكي لنينا هوفمان ومقال استراخوف التمهيدي للأعّمال الكاملة لديستويفسكي، علاوة على ذلك فإنه سيصبح جلياً أنه على الرغم من عدم ذكر كافكا لهما إلا أنه كان على دراية بكليهما.

في باكورة عام 1913 في رسالة من كافكا لخطيبته كتب  : “الرجال الأربعة ، جريلبارتسر، دوستويفسكي ، كلايست , وفلوبير، أعتبرهم  أقاربي الحقيقيين ما يربطني بهم هو قرابة دم.” هذا التصريح لا يعبر فقط عن تقاربه مع هؤلاء الرجال ككتاب فقط ولكن أيضاً التماهي مع موقفهم الوجودي من العالم. وفي واحدة  من الاحتمالات ربما كان يدور في خُلد كافكا صَرَع ديستويفسكي في موازة مع حياته  الخاصة ومعاناته مع السل، و ربما أكثر من ذلك، العلاقة المعقدة والغامضة مع أبويهما، والتي تتجلى في كتابات كل منهما لتبلغ ذروتها لدى ديستويفسكي في “الإخوة كارامازوف “، ولدى كافكا في ” المحاكمة ” و”رسالة إلى الأب”، أما بالنسبة لمرض كل منهما؛ فكلاهما كان يُنظر له باعتباره انعتاق وعقاب، وكلاهما كان واعياً  بتعقد  وغموض إعمالات العقل والجسد، وأن كلاً منهما أي العقل والجسد مبارك وملعون في الوقت نفسه.

في هذا البحث سأعالج بشكل منفصل الأفكار، والمواضيع والعناصر الأساسية من جهة، ومن جهة أخرى الجوانب الشكلية لأعمال كل منهما.

تستند وجهات نظر كل من ديستوفسكي وكافكا في الإنسان إلى فكرة  أساسية جوهرها  أن الإنسان كائن مُعقَّد التركيب وعصي على الوصف وكمثال على ذلك أود أن أشير إلى  شخصية راسكولينكوف  والسجال الذي دار حول دوافع الجريمة لديه، وإلى يومنا هذا – كما نعرف جميعاً – لايوجد اتفاق حول هذه المسألة، لذلك في الحقيقة لا يزال راسكولينكوف بطريقة ما  لغزاً، وفي جميع الاحتمالات سواء كان ديستويفسكي واعياً أو لا  فإنه أراد أن يمضي بهذه الطريقة.

لا توجد دراستين عن الجريمة والعقاب تتفقان على  أي من الدوافع أو السمات الدقيقة التي تؤدي لتحول راسكولينكوف في نهاية الرواية، نفس الشيء ينطبق على جوزيف  ك في “المحاكمة “،هل ارتكب  “ك” جريمة ؟ وإذا كان قد فعل؛ فهل اعتبرها هو جريمة ؟ وإن لم يكن  فلماذا خضع طواعية لإزعاج وضغط السلطات، وأخيراً قبِل الإعدام كما لو كان يستحقه؟! لو إننا لأجل الغرض الحالى تركنا النهاية المثيرة للجدل في الجريمة والعقاب، فإننا نجد أنفسنا في حيرة مماثلة، هل اعتبر راسكولينكوف فعله جريمة؟ وإن لم يكن فلماذا امتثل في أيدي الشرطة و بأريحية قبل الحكم؟


لا يقدم علم النفس أجوبة تامة على ذلك، وعلى الرغم من أن كلا الكاتبان هما عالمان نفس بجدارة فيُعتبر ديستويفسكي مبشر ورائد علم النفس العمقيّ – depth psychology، بينما كان كافكا على دراية تامة بالاتجاهات الفرويدية المتنوعة، إلا أن كلاهما أدرك محدودية علم النفس فيطلق ديستويفسكي سخريته من علم النفس في الأخوة كارامازوف واصفاً أياه  بأنه عصا ذات نهايتين، بمعنى  أنه فضفاض للحد الذي يمكن معه إثبات الشيء ونقيضه ـويدينه بشدة في “ملاحظات من تحت الأرض”، على الجانب الأخر يُسجل كافكا غاضباً في كتابه “تأملات: “لقد أصابني اليأس من علم النفس “، ومع ذلك فأن كلاهما يذهب لسبر أغوار النفس الإنسانية، وكثيراً ما يّنخرطان في التنقيب داخل الجوانب الأسطورية منها.

على سبيل المثال، غرائبية العلاقة بين الأمير ميشكين و ناستاسيا فيليبوفنا في “الأبله” التي يمكن النظر إليها على أنها تنويعات من السلوكيات الماسوشية ولكن أيضاً كما يُظهر موتشولسكي ببراعة في إعادة التشريع لمسألة الحب كأسطورة نفسية/ إستعادة لصورة كيوبيد، نجد “المحاكمة” لكافكا كنموذج مثالي لعقدة أوديب ولطالما كانت الشخصية الروائية لدى كلا الكاتبين غامضة بدرجة لا يمكن تنحيتها جانباً في خوضها نضال وجودى مع إلهٍ قاسٍ، يبقى الإنسان لدى الكاتبين لغزاً لا يمكن اختزاله . يتشارك كلا الكاتبين مشكلة تحمُّل المسئولية  الإنسانية، وملخص ما يعتقد ديستويفسكي فيه بهذا الصدد هو ما طرحه في الإخوة كارامازوف ” كل البشر مسئولون، وكلهم مذنبون ” . إن قبول المسؤولية والشعور بالذنب يؤدي إلى المعاناة وتحمل عبء الخلاص . وباختصار، فإن مشكلة الذنب تبرز كنوع من السقوط الذي سيعقبه خلاص سعيد.

Martin Buber

جميع أبطال كافكا يشعرون بالذنب، وشعورهم هذا بالذنب يؤسس لسلوكهم ومعاناتهم و خنوعهم فضلاً عن عدوانيتهم، وإخفاقِهم البشري في نهاية المطاف. بينما يلقي ديستويفسكي باللوم على العالم في سياق يشمل الديني و الميتافيزيقي معاً، يرفض أبطال كافكا الاعتراف بالشروط القبلية المتصلبة،  يقول السيد  “ك” في “المحاكمة” كيف يمكن لأي إنسان أن يكون مذنباً بشكلٍ مطلق. هنا، نحن البشر جميعنا متساوون”.

إن أبطال كافكا يتصرفون حيال مصائرهم منكرين لحقيقة الذنب بيد أنهم جميعاً يشعرون بالذنب.

من المؤكد أن معرض شخصيات ديستويفسكي يتضمن أشخاص مثل بطل رواية “ملاحظات من تحت الأرض” الذي يبدو غير صالح للتعامل مع الحياة، ومع ذلك حتى أمثال هؤلاء لدى ديستويفسكي قادرون على تشييد الأحلام المؤقتة، كأبنية من البلور، ذلك لعقد الأمل والتخفيف من عذاب استجواب النفس والشك الذاتي، بينما كافكا ينكر على شخصياته حتى ترف هذه الأحلام المؤقتة؛ فكما هو  في خصومة مع  وضعه الخاص كذلك نجد شخصياته أيضاً، يعانون دوار البحر على اليابسة.

في دراسة لِمارتن بوبر عن التباين بين الذنب والشعور بالذنب يستعين  بديستويفسكي وكافكا ليكونا على رأس  أدلته للتمييز في هذا الصدد، فَيميز بوضوح بين الشعور بالذنب والقبول الواعي للمسئولية؛ وهذا الأخير هو مفهوم بارز جداً لدى ديستويفسكي، فيما نجد أن مأزق شخصيات كافكا أنها تُظهر فقط بقايا حس أخلاقي وشعور دفين بالذنب، على الرغم من أنها سلبية تماماً، أعنى مشاعر  الذنب المكبلة التي لا تخلق فاعلية في الواقع، عند ديستويفسكي إدراك الذنب هو الخطوة الأولى نحو الخلاص، أما لدى كافكا فالشعور بالذنب يؤدي فقط إلى اليأس.

تريد استكمال قراءة الملف؟

أشباح ديستوفسكي

%d مدونون معجبون بهذه: